بين ثبات الغايات وتغيّر الوسائل… كيف نفهم الشريعة في واقع متجدّد؟
من فقه الجهاد إلى فقه الشورى، ومن أحكام الغنائم إلى أنظمة الحكم: ليست كل وسيلة ثابتة بثبات الغاية، ولا يكون الوفاء للشريعة بتجميد الحياة، بل بفهم نصوصها ومقاصدها، وحسن تنزيلها على واقع متغيّر.
🔹 أولًا: هل كل ما يتصل بالدين ثابت لا يتغيّر؟
من القضايا التي تحتاج إلى فهم دقيق في الفكر الإسلامي، التمييز بين الثوابت الشرعية والوسائل الاجتهادية المتغيّرة؛ إذ يختلط الأمر أحيانًا على من يظن أن المحافظة على الدين تستلزم التمسك بكل صورة تاريخية عرفها المسلمون، مهما تغيّرت الظروف وتبدّلت الأحوال.
والحقيقة أن الشريعة جاءت بهداية الإنسان، وإصلاح علاقته بربه، وتنظيم علاقاته بالناس، وإقامة العدل، وحفظ الحقوق، وتحقيق المصالح المعتبرة، ودفع المفاسد.
أما تفاصيل الصناعات والزراعات والهندسة والطب، وما يستجد في شؤون الحياة من وسائل وأساليب، فالأصل أن مجالها مفتوح للاجتهاد والتجربة والاستفادة من خبرات البشر، ما لم تصادم حكمًا شرعيًا معتبرًا.
وفي هذا السياق يُستحضر حديث النبي ﷺ في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وهو حديث يلفت النظر إلى أهمية الخبرة البشرية في المجالات التي تُترك للتجربة والمعرفة الفنية.
لكن هذا لا يعني أن شؤون الدنيا منفصلة عن الأخلاق والأحكام الشرعية؛ فالمسلم يستفيد من علوم الناس وخبراتهم، مع التزامه بالعدل والأمانة، واجتناب الظلم والعدوان، ومراعاة الحلال والحرام.
فالشرع يضبط الغايات والمبادئ والأحكام، والعقل والخبرة والاجتهاد تسهم في اختيار الوسائل المناسبة ضمن حدود تلك الضوابط.
وهنا يبدأ الفهم الصحيح لقضية الثابت والمتغيّر.
⚔️ ثانيًا: الجهاد بين ثبات المقصد وتطوّر الوسائل
الجهاد في الإسلام ليس مجرد صورة عسكرية واحدة ارتبطت بسلاح أو أسلوب قتال معين؛ بل هو باب من أبواب الأحكام الشرعية له مقاصده وضوابطه وشروطه، وتندرج تحته مسائل متعددة تختلف باختلاف أحوالها.
لقد كانت وسائل القتال في العصور الأولى تعتمد على السيوف والرماح والخيول، وكان الفارس والراجل من العناصر الأساسية في المعارك. وكان المقاتل قد يشتري سلاحه بنفسه، ويتولى إعداد دابته، ويتحمل بعض نفقاته ومخاطره، وتترتب على ذلك أحكام مالية وعسكرية تناسب طبيعة تلك المرحلة.
أما في العصر الحديث، فقد تغيّرت طبيعة الحروب تغيّرًا واسعًا؛ فأصبحت تعتمد على الجيوش النظامية، والطائرات، والمدرعات، وأنظمة الاتصالات، والأقمار الصناعية، والتقنيات المتقدمة، والمؤسسات اللوجستية والطبية والصناعية.
ولم يعد التفوق العسكري قائمًا على شجاعة الفرد أو مهارة الفارس وحدهما، بل صار مرتبطًا بالعلم والتنظيم والتخطيط والتدريب والإنتاج والتقنية.
فهل يُعقل أن نتعامل مع هذه التحولات وكأنها لم تقع، وأن نتصور أن الوفاء للتراث يقتضي استنساخ كل وسيلة عرفتها الحروب القديمة؟
إن المطلوب هو المحافظة على الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة، مع الاجتهاد في الوسائل التي تتغير بتغير الواقع.
ومن هنا، لا حرج في الاستفادة من الخبرات العلمية والتقنية لدى الأمم المختلفة، ولا في الاستعانة بالمتخصصين مهما اختلفت أديانهم وجنسياتهم، ما دامت الاستفادة مشروعة، ومحققة للمصلحة، ومراعية للضوابط الأخلاقية والقانونية ذات الصلة.
فليس من الوفاء للشريعة أن نتخلى عن الوسائل النافعة لمجرد أنها لم تكن معروفة لدى الأقدمين؛ كما ليس من الاجتهاد أن نُسقط الأحكام الشرعية بحجة تطوّر الوسائل.
والفرق بين الأمرين هو جوهر فقه الثوابت والمتغيّرات.
💰 ثالثًا: الغنائم بين النص الشرعي واجتهاد الفقهاء
تُظهر أحكام الغنائم جانبًا مهمًا من العلاقة بين النصوص الشرعية والواقع التاريخي.
فقد وردت نصوص تتعلق بتوزيع الغنائم، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
كما وردت أحاديث في توزيع الغنائم، وفيها تفصيل يتعلق بالفرس والراجل، وهو ما يعكس طبيعة القتال وتنظيمه في ذلك العصر.
لكن من الضروري التمييز بين ثبوت النص الشرعي، وفهم دلالته، وتحديد مجال تطبيقه، والاجتهاد في النوازل التي تتصل به.
فالأحكام المتعلقة بالغنائم لا يجوز إلغاؤها لمجرد تطوّر الأسلحة، كما لا يصح افتراض أن كل تفصيل ورد في وصف نظام عسكري تاريخي ينطبق بالطريقة نفسها على كل واقع جديد.
وقد عرف الفقه الإسلامي اختلافًا في مسائل تقسيم الغنائم وتصرّف الإمام فيها، كما برز اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأراضي المفتوحة، حين لم يقسمها على الفاتحين بالطريقة التي قُسمت بها بعض الغنائم المنقولة، وإنما أبقاها على وجه يحقق مصالح المسلمين، مع ترتيب الحقوق المالية المتعلقة بها.
ويُستدل بهذا الاجتهاد على أهمية النظر في المصالح العامة، مع مراعاة النصوص والأحكام ذات الصلة.
أما موقف الإمام مالك من تخميس الغنائم، وتفاصيل اجتهاداته في هذا الباب، فينبغي عرضه بدقة وفق مصادر مذهبه، لا بصيغة توهم أن المسألة اتفاقية أو أن كل تصرف مالي يجوز تغييره بمجرد تقدير المصلحة.
والمقصود هنا ليس إصدار حكم تفصيلي في جميع مسائل الغنائم، بل بيان قاعدة منهجية:
النصوص الشرعية لا تتغير بتغير الأزمنة، لكن فهم الوقائع الجديدة وتنزيل الأحكام عليها يحتاجان إلى علم واجتهاد ومعرفة دقيقة بموضوع المسألة.
وهذا هو الفارق بين احترام النصوص والجمود على صورة تاريخية واحدة لتطبيقها.
🏛️ رابعًا: الشورى مبدأ ثابت… أما آلياتها فتتطور
إذا كان الجهاد يكشف عن أهمية تطوّر الوسائل العسكرية، فإن الشورى تكشف عن أهمية تطوّر الوسائل السياسية والإدارية.
فالشورى مبدأ أصيل في الإسلام، وقد جاء الأمر بها في قوله تعالى:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38].
وقال سبحانه مخاطبًا نبيه ﷺ:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
لكن الشريعة لم تفرض على جميع المجتمعات الإسلامية، في كل العصور، نموذجًا مؤسسيًا واحدًا بتفاصيل إدارية وإجرائية لا تقبل التغيير.
ولهذا يمكن أن تختلف آليات الشورى باختلاف أحوال المجتمعات، واتساع الدول، وتنوّع مؤسساتها، وتطوّر وسائل الاتصال والإدارة.
فقد عرف التاريخ الإسلامي صورًا متعددة من المشاورة واختيار أهل الرأي، كما عرفت المجتمعات الحديثة المجالس النيابية والانتخابات والمؤسسات الرقابية والضمانات الدستورية وغيرها من الآليات.
ولا يصح أن نحكم على وسيلة سياسية بأنها مشروعة أو ممنوعة لمجرد أنها ظهرت في مجتمع غير مسلم؛ بل ينبغي النظر في حقيقتها ووظيفتها وآثارها، ومدى توافقها مع الأحكام والمبادئ الشرعية.
فقد تكون بعض الآليات الحديثة نافعة في تحقيق الشورى، وقد تحتاج آليات أخرى إلى تعديل أو تقييد أو رفض، بحسب ما تتضمنه وما تفضي إليه.
فالعبرة ليست باستنساخ نموذج تاريخي بعينه، ولا باستيراد نموذج معاصر كاملًا، بل بتحقيق العدل، ومنع الاستبداد، وصيانة الحقوق، وإتاحة المشاركة الحقيقية في اتخاذ القرار.
وهذه الغايات لا تتحقق بمجرد تسمية نظام ما بالشورى أو الديمقراطية، وإنما تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وقواعد واضحة، ورقابة حقيقية، وأخلاق تحكم ممارسة السلطة.
🗳️ خامسًا: لا شورى حقيقية مع الاستبداد
من أخطر ما يفسد الحياة السياسية أن تتحول الشورى إلى مظهر شكلي، بينما تنفرد فئة محدودة بالقرار، وتُفرغ المؤسسات من وظيفتها، وتصبح الانتخابات وسيلة لإضفاء الشرعية على نتائج معدّة سلفًا.
وقد عرف العالم العربي والإسلامي نماذج من التلاعب بالانتخابات، وتقييد الحريات، وتوظيف الخطاب الديني أو الوطني لتبرير الاستبداد.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: ما قيمة الحديث عن الشورى إذا كان رأي الناس لا يُسمع، والرقابة لا تؤدي وظيفتها، والمحاسبة تُمنع، والسلطة لا تقبل النقد؟
إن الشورى لا تعني مجرد استشارة الناس ثم تجاهلهم، ولا تعني أن يطلب الحاكم المشورة حين يشاء، ثم يجعل قراره فوق المساءلة في كل حال.
وإنما تقتضي أن تكون للمشاركة العامة قيمة حقيقية، وأن توجد وسائل واضحة لمراقبة السلطة ومحاسبتها، وأن يتمكن أهل الخبرة من تقديم الرأي، وأن تُصان حقوق المجتمع من تغوّل الأفراد والمؤسسات.
كما أن نزاهة الشورى لا تعتمد على القوانين وحدها؛ فهي تحتاج أيضًا إلى ضمير أخلاقي، وثقافة تحترم الحقيقة، واستعداد لقبول النقد، ورفض تزوير إرادة الناس.
فالأنظمة قد تضع أجمل النصوص في دساتيرها، لكن فساد الممارسة قد يحوّلها إلى حبر على ورق.
وما لم تقترن المؤسسات بالأمانة والكفاءة والرقابة، فقد تتحول الشورى إلى واجهة للاستبداد بدلًا من أن تكون وسيلة لمقاومته.
🗣️ سادسًا: المعارضة ليست خروجًا… والنقد ليس فتنة
من القضايا التي تحتاج إلى تحرير فقهي وسياسي دقيق، التمييز بين الاعتراض المشروع على الحاكم، والخروج المسلح، وبين النقد الذي يصلح به المجتمع والفوضى التي تهدد أمنه وحقوق أفراده.
فليس كل خلاف مع السلطة خروجًا عليها، وليس كل نقد للحاكم تمردًا، وليس كل معارضة دعوة إلى الفتنة.
إن الحاكم بشر يصيب ويخطئ، ومن حق المجتمع أن يناقش قراراته، وأن يكشف أخطاءه، وأن يطالبه بالعدل، وأن يرفض الظلم بالوسائل المشروعة.
كما أن وجود المعارضة المنظمة، والرقابة المستقلة، وحرية النقد المسؤول، من الوسائل التي يمكن أن تسهم في الحد من الاستبداد وكشف الفساد.
ولا يعني ذلك أن كل معارضة مصيبة، أو أن كل وسيلة احتجاج مشروعة، أو أن المصالح العامة لا تُراعى؛ بل المقصود أن الخلاف السياسي في ذاته لا يكفي للحكم على صاحبه بالبغي أو الفتنة أو الخروج المحرّم.
ويُستحضر في هذا الباب موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الخوارج، إذ تُروى عنه مواقف تدل على التفريق بين مجرد المخالفة وبين الاعتداء وسفك الدماء وقطع الطريق.
غير أن تفاصيل الروايات وألفاظها وأسانيدها تحتاج إلى تثبّت عند الاستدلال بها، كما أن تنزيل الأحكام المتعلقة بالخروج والبغي على الوقائع المعاصرة يحتاج إلى علم بالشرع والواقع، ولا يصح أن يُترك للأحكام الانفعالية أو التصنيفات المتعجلة.
فالاعتراض السلمي ليس هو القتال المسلح، والنقد السياسي ليس هو الاعتداء على الناس، ومحاسبة المسؤولين ليست مرادفة لإشاعة الفوضى.
وفي المقابل، لا يجوز اتخاذ شعار الاستقرار ذريعة لتبرير الظلم، أو إسكات كل صوت معارض، أو منح المسؤول حصانة أخلاقية وسياسية لا يملكها أحد من البشر.
فالمطلوب معارضة مسؤولة لا تهدم المجتمع، وسلطة مسؤولة لا تستبد بالمجتمع، وقانون يحمي الحقوق ولا يتحول إلى أداة لحماية الظالمين.
⚖️ سابعًا: الاستفادة من الديمقراطية دون الخلط بينها وبين الشورى
قدّمت التجارب السياسية الحديثة عددًا من الآليات التي يمكن دراستها والاستفادة منها، مثل الانتخابات النزيهة، وتداول السلطة، والرقابة البرلمانية، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وضمان حق المعارضة.
لكن الاستفادة من هذه الآليات لا تعني أن الديمقراطية والشورى متطابقتان في كل الأسس والتصورات، كما لا تعني أن كل ما نشأ في المجتمعات الغربية مرفوض لمجرد منشئه.
بل ينبغي أن يكون النظر علميًا، يميز بين المبادئ العامة، والآليات الإجرائية، والتصورات الفلسفية، والممارسات التي قد تكون نافعة أو ضارة.
فإذا كانت وسيلة ما تحقق قدرًا من العدل، وتمنع الاستبداد، وتحفظ الحقوق، ولا تصادم حكمًا شرعيًا معتبرًا، أمكن بحث الاستفادة منها في ضوء قواعد الاجتهاد والمصلحة.
أما إذا تضمنت ظلمًا أو اعتداءً أو إهدارًا لحق ثابت، فلا تصبح مشروعة لمجرد أنها تُمارس باسم الشعب أو الحرية.
وكذلك لا يكفي النص في الدستور على أن الإسلام دين الدولة لإزالة جميع الإشكالات؛ فالعبرة أيضًا بمضمون القوانين، وآليات تطبيقها، واستقلال القضاء، وقدرة الناس على الاعتراض على الظلم.
ومن هنا، فإن إصلاح الحياة السياسية لا يتحقق برفع الشعارات وحدها، بل يحتاج إلى بناء مؤسسات عادلة، وتربية سياسية وأخلاقية، ووعي بالحقوق والواجبات، وفقه يميز بين ما هو ثابت وما يقبل الاجتهاد.
فالحرية لا تعني إباحة كل شيء، والاستقرار لا يعني إسكات الناس، والشورى لا تعني مجرد أخذ الرأي دون اعتبار له.
🧠 ثامنًا: ما لا يتم الواجب إلا به… لماذا نحتاج إلى الخبرة والكفاءة؟
من القواعد الفقهية المعروفة أن ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون واجبًا.
وهذه القاعدة تفتح بابًا مهمًا للتفكير في الوسائل اللازمة لتحقيق الواجبات الشرعية والمصالح العامة، بشرط أن يكون الاحتياج إليها معتبرًا، وأن تتحقق شروط القاعدة في المسألة المعينة.
فإذا كان تحقيق الشورى الحقيقية يحتاج إلى إجراءات تضمن نزاهة الانتخابات، ومؤسسات تكشف الفساد، وقضاء مستقل، وآليات تحمي الحقوق، فإن البحث عن هذه الوسائل وإقامتها ليس ترفًا فكريًا.
وإذا كان حفظ المجتمع والدفاع عنه يحتاجان إلى العلم والتدريب والتخطيط والصناعة والتقنية، فإن اكتساب هذه القدرات يصبح من المسائل التي لا يجوز إهمالها.
لكن المشكلة تبدأ حين ينحصر اهتمام بعض المتدينين في حفظ النصوص وتكرار الأقوال، بينما يضعف اهتمامهم بفهم الواقع، واكتساب الخبرة، وتعلّم العلوم التي يحتاج إليها المجتمع.
فحفظ النصوص فضيلة عظيمة، لكنه لا يُغني وحده عن فقه دلالاتها، ولا عن معرفة أحوال الناس، ولا عن إدراك آثار القرارات، ولا عن امتلاك أدوات العمل المؤسسي.
وقد يكون الإنسان واسع الحفظ، لكنه ضعيف في تقدير المصالح والمفاسد، أو عاجزًا عن فهم تعقيدات الواقع الذي يريد الإفتاء فيه.
كما أن التخصص في العلوم الدنيوية لا يغني صاحبه عن معرفة الأحكام الشرعية حين تكون لها صلة بعمله.
والمطلوب هو التكامل بين التخصصات: فقيه يفهم النصوص ومقاصدها، وخبير يعرف واقع تخصصه، ومؤسسة تجمع المعارف وتدرس البدائل والنتائج قبل اتخاذ القرار.
وهذا لا يعني أن يتصدر كل أحد للإفتاء في كل مجال، بل يعني أن يتعاون أهل العلم الشرعي مع أهل الخبرة، حتى لا يُبنى الحكم على تصور خاطئ للواقع، ولا تُتخذ القرارات الكبرى اعتمادًا على الظنون والانطباعات.
فالعلم الشرعي بلا فقه للواقع قد يُساء تنزيله، والخبرة الدنيوية بلا ضوابط أخلاقية قد تتحول إلى أداة للظلم؛ وإنما تكتمل المنفعة حين يجتمع العلم والأمانة والكفاءة.
📢 تاسعًا: لماذا ينجح الباطل أحيانًا في الانتشار، ويتعثر الحق في عرض نفسه؟
من المؤسف أن بعض الأفكار الباطلة قد تنتشر لا لقوة أدلتها، بل لأن أصحابها أحسنوا تنظيمها، وتقديمها، واستثمار وسائل الإعلام، وفهم الجمهور، واختيار لغة الخطاب المناسبة.
وفي المقابل، قد تكون لدى أصحاب الحق حجج قوية، لكنهم يعجزون عن عرضها بلغة مفهومة، أو تقديمها في صورة جذابة، أو الوصول بها إلى الناس في الوقت المناسب.
فلا يكفي أن نعتقد أن الفكرة صحيحة حتى يتقبلها الناس، ولا يكفي أن نمتلك دليلًا حتى نحسن إيصاله.
إن عرض الحق يحتاج إلى معرفة، وبيان، وحكمة، وفهم لطبيعة الجمهور، وإدراك للوسائل التي يتواصل الناس من خلالها.
ولا تعني هذه الحقيقة أن نزيّن الباطل، أو نغيّر الحقائق لإرضاء الناس، أو نستخدم وسائل غير أخلاقية لتحقيق أهداف صحيحة؛ بل تعني أن نؤدي واجب البيان بأفضل ما نستطيع من علم وإتقان.
فالإعلام، والتعليم، والتأليف، والعمل المؤسسي، والتواصل الرقمي، كلها مجالات تحتاج إلى تخصص ومهارة، ولا ينبغي أن تُترك للارتجال أو تُعامل باعتبارها أمورًا ثانوية.
كما أن الخطاب الديني لا ينجح بمجرد ارتفاع نبرته أو كثرة شعاراته، بل يحتاج إلى صدق صاحبه، وسلامة منطقه، وجودة حجته، وحسن فهمه للناس.
وقد يضر بالدعوة أن يتصدر لها من يفتقر إلى أبسط مهارات التواصل، أو يخلط بين الحماسة والقدرة على الإقناع، أو يظن أن حسن النية يعفيه من واجب الإتقان.
فخدمة الحق تحتاج إلى صدق في المقصد، وصحة في العلم، ومهارة في الوسيلة، وحكمة في اختيار الأسلوب.
🌱 عاشرًا: تجديد الوسائل يبدأ بإصلاح الإنسان
لا يكفي أن نتحدث عن تحديث المؤسسات والأسلحة والأنظمة السياسية، إذا لم نلتفت إلى الإنسان الذي يديرها ويستخدمها.
فالوسائل الحديثة قد تُستخدم في إقامة العدل، وقد تُستخدم في الظلم. والمؤسسات قد تحمي الحقوق، وقد تتحول إلى أدوات للقمع. والإعلام قد يرفع مستوى الوعي، وقد يصبح وسيلة للتضليل.
ولهذا فإن تجديد الوسائل لا ينفصل عن إصلاح الأخلاق، وتربية النفس على الأمانة، وتعويدها على الاعتراف بالخطأ، واحترام التخصص، وقبول النقد، وتقديم المصلحة العامة على الأهواء الشخصية.
وليس من الصواب أن نختزل أزمة الأمة في نقص الأدوات وحده، كما ليس من الصواب أن نرد كل إخفاق إلى ضعف الإيمان دون دراسة الأسباب العلمية والإدارية والسياسية والاقتصادية.
إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى النظر في جميع العوامل المؤثرة، وإلى الشجاعة في مراجعة الأخطاء، وإلى الاستفادة من تجارب الآخرين دون ذوبان فيهم أو رفض متعصب لكل ما لديهم.
ونحتاج كذلك إلى تجاوز عقلية الاكتفاء بترديد ما قاله السابقون، إلى جانب احترام تراثهم والاستفادة من علمهم؛ فليس الوفاء لهم أن نكرر اجتهاداتهم في كل ظرف، وإنما أن نتعلم منهم كيف اجتهدوا، وكيف فهموا النصوص، وكيف راعوا أحوال الناس ومصالحهم.
وهنا تتضح قيمة الجمع بين الأصالة والتجديد: أصالة تحفظ الأصول والثوابت، وتجديد يطوّر الوسائل ويبحث عن أفضل السبل لتحقيق المقاصد المشروعة.
✍️ الخلاصة: الوفاء للشريعة ليس جمودًا، والتجديد ليس انفلاتًا
إن قضية الثابت والمتغيّر ليست مسألة نظرية بعيدة عن واقع المسلمين، بل تتصل بالدفاع عن المجتمعات، وتنظيم شؤون الدولة، وتحقيق الشورى، وحماية الحقوق، وإصلاح التعليم والإعلام، وتطوير أدوات العمل والدعوة.
والخطأ أن نجعل كل ما ورثناه ثابتًا لا يقبل المراجعة، أو أن نجعل كل ما يستجد في العالم مشروعًا لمجرد أنه جديد.
فليست كل ممارسة قديمة واجبة الاتباع، وليست كل وسيلة حديثة جديرة بالقبول.
إنما الميزان هو العلم بالنصوص، وفهم دلالاتها، ومعرفة مقاصدها، وإدراك الواقع، والتمييز بين الأحكام القطعية والمسائل الاجتهادية، وبين الغايات الشرعية والوسائل البشرية.
نحتاج إلى فقهاء لا يجهلون الواقع، وخبراء لا يتجاهلون القيم، ومؤسسات لا تخشى المحاسبة، ودعاة يحسنون عرض الحق، وأمة تجمع بين العلم والعمل والأخلاق.
فحين تتوافر هذه العناصر، يصبح التجديد وسيلة لحفظ المبادئ وتحقيق المقاصد، بدلًا من أن يكون ذريعة للتفريط فيها.
وحين نفهم أن الشريعة لا تدعونا إلى عبادة الوسائل، بل إلى الالتزام بأحكامها وتحقيق مقاصدها، ندرك أن المحافظة على الثوابت لا تتعارض مع تطوير الحياة، وأن الاستفادة من الجديد لا تعني التخلي عن الأصول.
فالغايات الشرعية لا تُصان بالجمود على الوسائل، ولا تُخدم الوسائل المشروعة بتجاهل الغايات؛ وإنما يستقيم الأمر بالعلم، والفقه، والحكمة، والعمل المتقن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق