الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

السلفية المدخلية وإحياء الخصومات الفقهية التي فات أوانها…

 

السلفية المدخلية وإحياء الخصومات الفقهية التي فات أوانها…

حين يتحول شعار اتباع السلف إلى معولٍ لهدم وحدة الأمة!


🔹 أولًا: حين تتحول السلفية من منهجٍ للاتباع إلى معيارٍ لإقصاء المخالفين

من أبرز ما يستحق النقد في الخطاب المدخلي أن بعض ممارساته لا تقف عند الدعوة إلى اتباع الكتاب والسنة، أو ترجيح قولٍ فقهي على آخر، بل تتجاوز ذلك أحيانًا إلى جعل مسائل خلافية ومواقف جزئية معاييرَ للحكم على الأشخاص والجماعات، وتحديد من يُقبل ومن يُحذَّر منه، ومن يُعدّ موافقًا للمنهج ومن يُصنَّف في دائرة المخالفين.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا جوهريًا:

هل اتباع السلف يعني الالتزام بالدليل وفق قواعد العلم والاجتهاد، أم يعني أيضًا تبنّي أحكامٍ محددة في كل مسألة خلافية، ثم اتخاذها معيارًا لتصنيف المسلمين؟

إن الاعتراض ليس على الدعوة إلى السنة، ولا على نقد الأقوال المخالفة لما يراه الناقد حقًا، وإنما على تحويل الخلاف العلمي إلى امتحانٍ دائم للولاء المنهجي، بحيث لا يعود كافيًا أن يكون للإنسان دليلٌ واجتهاد، بل يصبح مطالبًا أيضًا بإثبات موافقته لمواقف تيارٍ بعينه في مسائل متعددة.

وعندما يحدث ذلك، يتراجع السؤال العلمي: «ما الدليل؟ وكيف فهمه العلماء؟» ليحل محله سؤال التصنيف: «إلى أي فريق ينتمي هذا الشخص؟ ومن يوافق؟ ومن يخالف؟».

وهذا انتقال خطير من مناقشة الأفكار إلى فرز الأشخاص، ومن نقد الأقوال إلى بناء الحواجز بين المسلمين.

ولا يصح تعميم هذا السلوك على كل من ينتسب إلى السلفية المدخلية، لكن من حقنا نقده حيث يظهر، ومطالبة أصحابه بإقامة الدليل على أحكامهم، والتمييز بين المخالفة العلمية التي تُناقش بالحجة، والانحراف الذي يحتاج إلى إثباتٍ وتحرير، لا إلى مجرد إطلاق الأوصاف.


🔹 ثانيًا: تضخيم الخلافات الفقهية وتحويلها إلى معارك هوية

من أوجه الخلل التي ينبغي التنبيه إليها أن بعض الخطابات المتشددة في الانتساب إلى السلفية تتعامل مع مسائل فقهية اجتهادية كما لو كانت حدودًا فاصلة بين الاتباع والابتداع، مع أن تاريخ الفقه الإسلامي حافلٌ بالاختلاف بين الأئمة، ولم يكن مجرد اختلافهم دليلًا على خروج أحدهم عن السنة.

خذ مثلًا الخلاف في القنوت في صلاة الفجر، وبعض هيئات الصلاة، وغيرها من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء بناءً على تفاوت فهم الأدلة وطرائق الاستنباط.

الأصل في هذه المسائل أن تُبحث علميًا، وأن يُبيَّن الراجح فيها وفق الدليل، مع احترام الاجتهاد المعتبر. أما أن تتحول إلى وسيلةٍ لاتهام المصلين بالبدعة، أو الانتقاص من أئمة المذاهب، أو التشكيك في انتساب أتباعها إلى السنة، فذلك توسعٌ لا ينسجم مع مقتضيات الإنصاف العلمي.

ولا يجوز اختزال السلفية في المذهب الحنبلي، كما لا يجوز تصوير أئمة المذاهب الأخرى وكأنهم يقفون في الجهة المقابلة للسلف. فالأئمة الأربعة جميعًا من كبار علماء الإسلام، ولكل منهم اجتهاده ومكانته.

إن ترجيح قولٍ فقهي لا يمنح صاحبه حق إلغاء الأقوال الاجتهادية الأخرى، ولا يجعل المسألة التي رجح فيها معيارًا وحيدًا لقياس تدين الناس أو سلامة مناهجهم.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل خطابٍ متعصب هو: هل نريد تعليم الناس أحكام دينهم، أم نريد تحويل كل خلافٍ فقهي إلى مناسبة جديدة لإثبات من ينتمي إلى جماعتنا ومن ينبغي التحذير منه؟


🔹 ثالثًا: من نقد الأخطاء إلى التوسع في التجريح والتصنيف

من القضايا المهمة في نقد الخطاب المدخلي مسألة التوسع في الجرح والتحذير من الدعاة وطلاب العلم، حين يتجاوز النقدُ بيانَ الخطأ المحدد إلى إصدار أحكامٍ واسعة على الأشخاص، أو جعل زلةٍ واحدة عنوانًا دائمًا لهم، أو التعامل مع المخالفات الاجتهادية كما لو كانت دليلًا كافيًا على فساد المنهج كله.

والجرح والتعديل في أصله علمٌ له ضوابطه ومقاصده، وليس ترخيصًا مفتوحًا للطعن في الناس. والنقد العلمي لا يستقيم إلا بمعرفة حال الشخص، وتحرير محل النزاع، والتحقق من صحة النقول، وفهم السياق، والتناسب بين الخطأ والحكم الصادر بشأنه.

أما إذا أصبحت التحذيرات المتبادلة هي اللغة الغالبة، وصار السؤال عن موقف الشخص من أسماء معينة أهم من فحص حجته ودليله، فإننا نكون أمام خللٍ في إدارة الخلاف، حتى لو رُفعت في أثنائه شعارات حماية السنة والمنهج.

ولا يعني ذلك تحصين الدعاة من النقد، أو منع التحذير ممن ثبت ضرره، وإنما يعني أن التحذير نفسه يحتاج إلى عدلٍ ودليل، وأن أحكامه لا ينبغي أن تتجاوز ما تثبته الوقائع.

ومن حقنا أن نسأل في كل قضية: ما القول الذي نُقد؟ وما دليله؟ وهل نُقل عن صاحبه بدقة؟ وهل فُهم في سياقه؟ وهل الحكم الصادر عليه متناسب مع الخطأ، أم أن الخلاف تضخم بفعل الخصومة والانتماء؟

فإذا كان المقصود حماية العلم وأهله، فلا بد أن يكون النقد محكومًا بالعلم والعدل؛ أما إذا صار التصنيف غايةً في ذاته، فإنه قد يتحول من وسيلةٍ للإصلاح إلى سببٍ للفرقة.


🔹 رابعًا: إحياء الخصومات العقدية القديمة دون فقهٍ للأولويات

لا تقتصر المشكلة على الفروع الفقهية، بل تمتد في بعض صور الخطاب المتشدد إلى إعادة فتح مسائل عقدية وكلامية قديمة، مثل الخلاف في التأويل والمجاز ومسائل الصفات، ثم تقديمها إلى الجمهور في صورة معاركٍ حاسمة يُختبر من خلالها انتساب الأشخاص إلى السنة.

وهذه المسائل ليست هينةً في ذاتها، ولا يصح منع البحث العلمي فيها، لكن الخطأ يقع عندما تُختزل في شعاراتٍ متبادلة، أو تُطرح بغير تحريرٍ لمحل النزاع، أو تتحول إلى مبررٍ للتشكيك في إيمان المخالف أو الطعن في نيته.

إن دراسة الخلاف بين العلماء تقتضي معرفة أقوالهم في سياقاتها، وفهم مصطلحاتهم، والتمييز بين مواضع الاتفاق والاختلاف، وعدم نسبة قولٍ إلى عالمٍ إلا بعد التثبت منه.

أما أن يُستدعى خلافٌ قديم ليكون وقودًا لمعركةٍ جديدة على وسائل التواصل، ثم تُبنى عليه أحكامٌ واسعة في الأشخاص والجماعات، فذلك لا يخدم العلم بالضرورة، وقد يزيد الاستقطاب بدل أن يقرّب الناس من فهم المسألة.

والأولى أن يُترك تحرير هذه القضايا لأهل الاختصاص، وأن تُعرض نتائج البحث بلغةٍ علمية واضحة، مع التمييز بين المسائل التي يترتب عليها أصلٌ من أصول الدين والمسائل التي وقع فيها خلافٌ معتبر بين العلماء.

ليس المطلوب إلغاء الخلاف العقدي، وإنما إخراجه من دائرة الاستعراض والخصومة، وإعادته إلى دائرة البحث العلمي المنضبط.


🔹 خامسًا: من شعار «اتباع السلف» إلى سؤال الممارسة

إن الشعار لا يكفي وحده للحكم على سلامة المنهج؛ فكل اتجاهٍ يستطيع أن يرفع عناوين العلم والسنة والإصلاح، لكن المعيار الحقيقي هو ما تنتجه ممارساته في الواقع.

فإذا كان الخطاب يدعو إلى اتباع السلف، فمن المشروع أن نسأل: أين يظهر أثر هذا الاتباع في الإنصاف عند الخلاف؟ وفي حفظ حقوق المخالف؟ وفي احترام الاجتهاد المعتبر؟ وفي التثبت من النقول؟ وفي التمييز بين الخطأ الذي يُناقش والانحراف الذي يحتاج إلى إثبات؟

وإذا كان الهدف حماية السنة، فهل تُحمى السنة بإشغال طلاب العلم بمعاركٍ متتابعة حول الأشخاص والتصنيفات، أم بتعليم الحديث والفقه وأصول الاستنباط، وتربية الناس على الصدق والعدل والأمانة؟

وإذا كان المقصود التحذير من الأخطاء، فهل يكفي أن نُكثر من التحذيرات، أم ينبغي أن نُبيّن الخطأ بدليله، ونقدّم بديلًا علميًا، ونحفظ للناس حقوقهم؟

هذه الأسئلة ليست هجومًا على كل منتسبٍ إلى السلفية المدخلية، وإنما هي معايير مشروعة لمراجعة خطابها وممارساتها، كما ينبغي أن تُطرح على أي تيارٍ ديني آخر.

فلا يكفي أن يعلن المرء اتباع السلف؛ بل ينبغي أن يظهر أثر هذا الاتباع في علمه وإنصافه وأخلاقه، وفي قدرته على الجمع بين بيان الحق والعدل مع المخالف.


🔹 سادسًا: من المستفيد حين تستنزف الخصومات طاقات الأمة؟

حين تتكرر معارك التصنيف والردود والتحذيرات، ويصبح جزءٌ كبير من الجهد الدعوي منصرفًا إلى تتبع المخالفين، تتراجع مساحة الاهتمام بقضايا التعليم والتربية والإصلاح الاجتماعي والبحث العلمي وبناء المؤسسات.

وهنا لا بد من التفريق بين الرد العلمي الذي تدعو إليه الحاجة، وبين الاستغراق في الخصومة حتى تصبح هي محور النشاط الديني.

فليس كل ردٍّ مضيعةً للوقت، وليس كل خلافٍ قديمٍ عديم الفائدة، لكن من حقنا أن نسأل عن التناسب بين حجم الجهد المبذول في تلك المعارك وبين ما تحققه من نفعٍ حقيقي للمسلمين.

كم من طالب علمٍ يحتاج إلى إتقان أصول الفقه ومناهج الحديث، وكم من مجتمعٍ يحتاج إلى تعليمٍ أفضل، وكم من شابٍ يحتاج إلى من يعينه على فهم دينه بعيدًا عن التنازع والتخوين!

إن الدعوة التي تستهلك معظم طاقتها في فرز الناس قد تُقصّر في بناء الإنسان، والخطاب الذي يجعل التحذير من المخالف محورًا دائمًا قد يترك مساحةً أقل لتعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

ولا يعني هذا أن القضايا العامة تبرر إهمال العلم أو السكوت عن الخطأ؛ بل المطلوب أن تتكامل الوظائف: بحثٌ علمي رصين، ونقدٌ منضبط، وتعليمٌ نافع، وعملٌ اجتماعي يخفف مشكلات الناس ويخدم مجتمعاتهم.


🔹 خاتمة: اتباع السلف لا يكون بتحويل خلافاتهم إلى حروبٍ دائمة

إن نقد بعض الممارسات المنسوبة إلى السلفية المدخلية لا يعني رفض السنة، ولا الانتقاص من قيمة التراث، ولا الدعوة إلى تمييع الخلافات العلمية. وإنما يعني رفض تحويل الانتساب إلى منهجٍ ديني إلى أداةٍ لإقصاء المخالفين، ورفض تضخيم المسائل الاجتهادية حتى تصبح معيارًا للحكم على الأشخاص والجماعات.

فالخلاف يُعالج بالدليل، والتجريح يُضبط بالعدل، والتحذير يُبنى على التثبت، والاجتهاد المعتبر يُناقش دون أن يتحول إلى خصومةٍ شخصية.

وإذا كنا نريد حقًا الاقتداء بالسلف الصالح، فعلينا أن نجعل العلم والإنصاف وحسن العمل جزءًا أساسيًا من هذا الاقتداء، لا أن نكتفي بترديد الشعارات ثم نمارس ما يزيد التنازع بين المسلمين.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيدٍ من معارك التصنيف، بل إلى علماء يحررون المسائل، ودعاة يحسنون ترتيب الأولويات، وطلاب علمٍ يتعلمون قبل أن يحكموا، ومؤسساتٍ تجمع الجهود في ميادين المعرفة والإصلاح.

فالمشكلة ليست في أن نختلف، بل في أن نحول كل خلافٍ إلى خصومة؛ وليست في أن ننتقد، بل في أن يتحول النقد إلى إقصاء؛ وليست في الانتساب إلى السلف، بل في أن يصبح هذا الانتساب شعارًا يُرفع بينما تُهمَل مقتضيات العلم والعدل والحكمة.

فلنحفظ للعلم مكانته، وللاجتهاد ضوابطه، وللمخالف حقه، وللأمة حقها في أن تُوجَّه طاقاتها إلى ما ينفعها، بدل أن تظل أسيرة خصوماتٍ تتجدد كلما ظننا أنها انتهت.

والله نسأل أن يرزقنا العلم النافع، والعدل في القول والعمل، وأن يجنبنا التعصب والظلم، وأن يجعل اختلافنا بابًا للفهم والاجتهاد، لا سببًا للتباغض والتنازع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق