الجمعة، 30 أكتوبر 2026

لماذا تراجع المسلمون؟

 

من جوانب الانهيار الحضاري للمسلمين: التخلّف والاستبداد وسوء فهم الشورى

تمهيد: لماذا تراجع المسلمون؟

كانت الاستعدادات كبيرة لتوديع القرن الرابع عشر الهجري واستقبال القرن الذي يليه، وكنت سأشارك في احتفالات كثيرة تُقام لهذه المناسبة، ولكنني — بعد طول تجربة — كنت وجلًا من أحوال أمتنا، قلقًا مما ينتظرها إذا بقيت على ما أرى.

إن بعض المرضى يحتاجون إلى صدمات كهربائية لتصحيح وعيهم وإيقاظ ما تخدّر من إحساسهم؛ والمسلمون يحتاجون إلى ما يشبه هذه الصدمات الفكرية والعملية، حتى يحسنوا الخلاص مما حلّ بهم، ويسيروا على نهج يشبه، أو يقارب، نهج الراشدين من أسلافهم.

أولًا: أمتنا تعاني تخلّفًا حضاريًّا

إن أمتنا اليوم جزء كبير من العالم الثالث، وتخلّفها الحضاري أمر لا ريب فيه. أما مظاهر التقدم المستوردة من هنا وهناك، فقد تكون عارية عن الجذور، قابلة لأن تُسترد؛ لأنها ليست إفرازًا لكيانها الخاص، ولا أثرًا لنشاطها الأصيل.

فما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك؟

إن التقدم والتأخر ليسا حظوظًا عمياء، وإنما هما نتيجة أسباب ومقدمات تتراكم عبر الزمن.

إن ما نزل بأمتنا هو حصيلة علل طال عليها الأمد، وأمراض أضعفت قواها جيلًا بعد جيل. وقد يصيب بعض الأجسام، في سن مبكرة، مرض شديد، غير أن عافية الشباب تقاومه، فتكمُن الجرثومة متربصة بالفرص، حتى تتمكن من الجسم وتُلحق به ما تشاء من أذى.

وهكذا تعرض الكيان الإسلامي، عبر عصور طويلة، لأدواء خطيرة. وقد قاوم بنيانه الصلب هذه الأدواء، وبدا للعين المجردة كأنه سليم معافى، لكن الجراثيم الكامنة برزت من مكامنها خلال القرون الأخيرة.

فلما اصطدمت الأمة بالقوى المعادية للإسلام، كشفت المعارك ضعفها في ميادين شتى، وتراجع نفوذ المسلمين في مساحات واسعة من العالم؛ من أطراف أوروبا وآسيا إلى جزر إندونيسيا والفلبين، ومناطق المحيط الهندي، وأقطار ما وراء الصحراء الكبرى.

لقد تهاوى جانب كبير من هذا الكيان الإسلامي تحت ضربات الغزاة، وأصبح كثير من المسلمين أسرى تدميهم القيود، ويُرهقهم الإذلال.

لقد حدث ذلك، وكان لا بد أن يحدث ما دامت الأمة قد فقدت أسباب التمكين في الأرض؛ فالرياح، مهما اشتدت، لا تنقل الجبال، لكنها تستطيع أن تنقل كثبان الرمال.

النهضة لا تُبنى بالتمنّي

إذا كنا نطمح إلى نهضة حقيقية، فلا بد أن ندرس، بدقة وبصيرة، أسرار ما أصابنا؛ فالعافية لا تتحقق بدواء مرتجل، والنصر لا يأتي باقتراح عشوائي.

لقد تصدّر أسلافنا قافلة العالم عن جدارة، بينما تراجع كثير من أخلافهم إلى ذيلها، لأسباب ينبغي أن تُدرس بجدية وشجاعة.

وقد تأملت في أحوال أناس يعملون في الحقل الإسلامي، ويتحمسون لنصرة دينهم، لكنهم يحملون في طرائق تفكيرهم وعملهم بقايا من جراثيم الفوضى القديمة والجهالة المدمرة.

فأدركت أن بعض هؤلاء يتحركون في مواضعهم دون تقدم حقيقي، وأنهم إذا استطاعوا التحرك فقد يتجهون إلى الوراء بدلًا من الأمام، ويضيفون إلى هزائم الأمة هزائم أخرى أشد ضررًا وأعظم أثرًا.

من أجل ذلك، رأيت ضرورة استثارة الهمم لبدء نهضة واعية وهادية، تعتصم بالوحي الأعلى، وتتأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، وتنتفع بتجارب القرون الأربعة عشر التي مرت بالأمة.

وقد يقول قائل: وهل يخالف أحد هذا المنهج حتى تتناوله بالنقد والتصحيح؟

والجواب: قد لا يجرؤ أحد على مخالفة هذا المنهج بلسانه، لكنه قد يسيء إليه بفراغ فكره أو فساد فهمه، فيجرّ الكوارث على الكتاب والسنة، ولا يزيد الطين إلا بلة.

فليست العبرة بمجرد إعلان الانتساب إلى الإسلام، وإنما العبرة بحسن فهم الوحي، وسلامة تنزيله، والقدرة على تحويل هداياته إلى إصلاح حقيقي في حياة الناس.


ثانيًا: الفساد السياسي… مرض قديم وآثار متجددة

الفساد السياسي مرض قديم في تاريخنا؛ فقد ظهر حكام حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة، بسبب أهوائهم الجامحة وشهواتهم الطاغية، حتى أصبحوا غير مأمونين على دين الناس ودنياهم، ومع ذلك طال بقاؤهم في السلطة.

وقد عاصرتُ حكامًا تدعو عليهم الشعوب، ولا تراهم إلا أثقالًا على صدورها، تكاد تهشمها.

وقد انتفعت قوى خارجية، شرقية وغربية، بوجود أنظمة كهذه في منع الجماهير من الاحتكام إلى شرائع الإسلام، كما انتفعت بها في إفساد البيئة الاجتماعية والسياسية، وإضعاف الكرامة الفردية والحرية الاجتماعية، أيًّا كان لونها.

لكن البلاء لا يقف عند فساد الحكام وحده؛ فالأشد خطورة أن يتبنى بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية تصورات عن الحكم الإسلامي تُعيد إنتاج الاستبداد نفسه، ولكن تحت شعارات دينية.

هل الشورى أن يفعل الحاكم ما يشاء؟

لقد ذهب بعضهم إلى أن للحاكم أن يأخذ برأي الكثرة، أو برأي القلة، أو أن ينفرد برأي يختاره لنفسه!

وهنا يحق لنا أن نسأل:

أهذه هي الشورى التي قررها الإسلام؟ وإذا كان للحاكم أن ينفرد بما يشاء، فما الفرق بين هذا التصور والاستبداد؟

ووضع بعضهم دستورًا إسلاميًّا منح فيه رأس الدولة سلطات واسعة وخيالية، لا تنسجم مع مقتضيات الرقابة والمحاسبة التي تحتاج إليها الدولة العادلة.

وعندما نتأمل مثل هذه التصورات، نجد فيها ثلاثة أوجه من الخلل:

الأول: سوء فهم الشورى.

وذلك حين تُفرغ الشورى من مضمونها، ويُغفل عن ضرورة إنشاء مؤسسات وآليات واضحة تمكّنها من أداء وظيفتها في إدارة شؤون الحكم.

الثاني: الغفلة عن دروس التاريخ.

فقد شهدت القرون الطويلة من تاريخ المسلمين أحداثًا مؤلمة نشأت عن استبداد الأفراد، وغياب المجالس والآليات التي تحدّ من انفراد الحاكم بالقرار.

الثالث: الجهل بأصول الرقابة على السلطة.

فقد تطورت في التجارب السياسية الحديثة وسائل متعددة لمراقبة تصرفات الحكام، ومحاسبة المسؤولين، ومنع احتكار السلطة. ولا يجوز أن يكون الانتساب إلى الإسلام ذريعة لإهمال هذه المعاني، أو تعطيل ما يحقق منها العدل ويمنع الظلم.

فإذا استقبل المسلمون القرن الخامس عشر الهجري، وظل فهم بعضهم لوظيفة الحكم محصورًا في هذا النطاق العقيم، فكيف تنهض الأمة؟ وإلى أين تتجه؟

لا بد من تحرير الفقه السياسي من تبرير الاستبداد

إن الفقه الدستوري في أمتنا بحاجة إلى مراجعة جادة، تخلّصه من التصورات التي تجعل الحاكم فوق المساءلة، أو تستمد مشروعيتها من نماذج تاريخية ارتبطت بالاستبداد، كما وقع في عصور بعض الولاة والملوك والسلاطين.

ولا يصح أن يُمنح حق تقرير مصير الأمة لمن يخلط بين طاعة ولي الأمر وإطلاق يده في شؤون الناس، أو بين احترام النصوص الشرعية وإلغاء إرادة الأمة في المجالات التي تتسع للاجتهاد والشورى.

ومن التصورات التي تستحق النقد كذلك أن يُستدل بتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لإثبات حق الحاكم في الانفراد بقرارات الحرب والسلم، وتجاوز الشورى متى شاء.

إن هذا الفهم يقتضي النظر في الواقعة النبوية وسياقها، لا اقتطاعها من ظروفها، ثم تحويلها إلى قاعدة عامة تُبرّر الاستبداد.

صلح الحديبية: واقعة لا تُتخذ ذريعة لإلغاء الشورى

لقد احترم الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى، ونزل على مقتضاها فيما لا وحي فيه، وكانت له في الوقت نفسه خصوصية النبوة وما يتلقاه من توجيه إلهي.

وفي صلح الحديبية، جاءت الوقائع في سياق خاص، واتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسلك يجنب المسلمين والحرم ويلات حرب لم يأذن الله بوقوعها في ذلك الظرف.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ۝ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ...﴾

[سورة الفتح: 24-25].

وظاهر أن الواقعة ارتبطت بتوجيه الله تعالى وبظروفها الخاصة، فلا يصح أن تُجعل ذريعة لإهدار الشورى، أو منح الرؤساء سلطة مطلقة في تقرير الحرب والسلام بعيدًا عن المشاورة والمحاسبة.

فالفرق كبير بين تصرف نبوي ارتبط بخصوصية الوحي وسياق الواقعة، وبين سلطة سياسية بشرية يُراد لها أن تنفرد بالقرار دون رقابة أو مساءلة.

والشورى ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ثم يُعطّل أثرها حين تتعارض مع رغبات الحاكم؛ بل هي مبدأ ينبغي أن يظهر أثره في مؤسسات الحكم وآليات اتخاذ القرار.

كما أن تفاصيل تنظيم السلطة وتحديد صلاحياتها وآليات اختيار المسؤولين ومحاسبتهم تحتاج إلى اجتهاد مؤسسي واعٍ، يراعي النصوص الشرعية ومقاصدها، ويستفيد من التجارب الإنسانية النافعة.

من يملك السلطة حين لا يوجد نصٌّ يحسم المسألة؟

إن مجال الشورى والاجتهاد يتسع في المسائل التي لم يرد فيها نص شرعي يحسم تفاصيلها، وهنا تبرز أهمية إرادة الأمة، والمشاركة في تدبير شؤونها، ووضع القواعد التي تمنع الاستبداد وتحقق العدل والمصلحة العامة.

وليس من المقبول أن يُترك الحديث عن بناء الدولة وتكوين مؤسساتها لأناس يفتقرون إلى النضج الفكري، أو يجعلون من الخطاب الديني وسيلة لاكتساب رضا أصحاب النفوذ ومصالح الدنيا.

إن إصلاح بنية الحكم وأصولها يحتاج إلى فقهاء أتقياء أذكياء، يجمعون بين العلم الشرعي، وفهم الواقع، والوعي بالتاريخ، والإدراك العميق لمقتضيات العدل والشورى ومصالح الأمة.

فالأمة لا تنهض بمجرد رفع الشعارات، ولا يستقيم حكمها بمجرد صلاح النيات؛ بل لا بد من فهم صحيح للدين، ومؤسسات عادلة، ورقابة فعالة، ومسؤولية سياسية واضحة.

**فالنهضة الحضارية لا تنفصل عن الإصلاح السياسي، والإصلاح السياسي لا يتحقق بتقديس الحاكم، وإنما بإقامة العدل، واحترام الشورى، ومنع الاستبداد، وحسن فهم مقاصد ا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق