الخميس، 29 أكتوبر 2026

حين ينحرف الانتساب إلى السلف عن منهج السلف

 


حين ينحرف الانتساب إلى السلف عن منهج السلف

قراءة في الخطاب المدخلي المعاصر

ليس كل من رفع شعار السلفية قد استوعب منهج السلف، وليس كل من أكثر من الاستشهاد بالنصوص قد أحسن فهمها وتنزيلها على واقع الناس.

فالعبرة ليست بكثرة الشعارات، ولا بحدة المواقف، ولا بكثرة التحذيرات والتصنيفات؛ وإنما بصحة الفهم، وسلامة المنهج، والعدل في الحكم، والقدرة على الجمع بين النصوص وفهم مقاصد الشريعة.

وهذه من القضايا التي تزداد أهمية حين نتأمل بعض مظاهر الخطاب المدخلي المعاصر.

🔹 أولًا: الصراط المستقيم ليس شعارًا تحتكره جماعة

ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، لكن هذا الصراط ليس طريقًا ترسمه الأهواء، ولا ملكية فكرية تحتكرها جماعة، ولا لقبًا يمنح أصحابه حصانة من النقد والمراجعة.

إنه طريق يقوم على القرآن الكريم، وسنة النبي ﷺ، وفهم النصوص فهمًا صحيحًا، مع الاقتداء بالسلف الصالح في العلم والعمل، والعبادة والأخلاق، والعدل والرحمة، والإنصاف مع الموافق والمخالف.

وقد كان السلف الصالح أهل عبادة وتقوى، لكنهم لم يكونوا مجرد أفراد ينشغلون بإصلاح أنفسهم ويتركون شؤون الناس؛ بل عرفوا مسؤولية العلم، وأدوا الأمانة، وأقاموا العدل بحسب ما استطاعوا، وتعاملوا مع واقعهم بما يقتضيه الشرع من حكمة وبصيرة.

ومن هنا، فإن اختزال المنهج السلفي في مسائل محدودة، أو في الولاء لأسماء معينة، أو في تكرار أحكام التبديع والتجريح، لا يكفي لإثبات صحة الانتساب إلى منهج السلف.

فالسلفية الحقيقية لا تُقاس بما يرفعه أصحابها من شعارات، بل بمدى التزامهم بأصول الشرع ومقاصده وأخلاقه.

🔹 ثانيًا: الاقتداء بالسلف ليس تجميدًا للحياة عند صور الماضي

إن الاقتداء بالسلف لا يعني استنساخ جميع صور حياتهم ووسائلهم، ولا التعامل مع كل ما استجد في حياة الناس وكأنه خروج عن الدين.

فالأصول الشرعية ثابتة، أما كثير من الوسائل والتدابير والعادات فتتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، ما دامت لا تصادم نصًّا شرعيًّا ولا أصلًا معتبرًا.

فالعدل هو العدل، لكن وسائل تحقيقه وحماية الحقوق قد تتطور. والشورى مبدأ شرعي، لكن صور تنظيمها والتعبير عن الرأي فيها تتنوع. والدعوة إلى الله ثابتة، لكن وسائل التواصل والتعليم والإقناع تتجدد.

وهذا لا يعني تقديم الواقع على الوحي، ولا جعل المصالح المتوهمة حاكمة على النصوص؛ بل يعني فهم النصوص في ضوء دلالاتها الصحيحة، والتمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة.

ومن مظاهر الخلل أن يتحول التمسك بالسلف إلى رفض كل جديد لمجرد أنه جديد، أو أن تصبح بعض الصور التاريخية معيارًا وحيدًا للحكم على صلاح الناس واستقامتهم.

فاتباع السلف هو الاقتداء بمنهجهم في فهم الدين، لا تحويل كل ما كان في زمانهم إلى صورة جامدة يجب استنساخها في كل عصر.

🔹 ثالثًا: حين يتقدم التشدد على فقه الشريعة

من أخطر ما يصيب الخطاب الديني أن يصبح التعقيد عند بعض أصحابه علامة على الاحتياط، وأن يُظن أن التشدد في كل مسألة أقرب إلى التقوى، وأن يُعامل التيسير المشروع كأنه تنازل عن الدين.

والشريعة لم تأت لتصنع من حياة الناس سلسلة من المشقات المفتعلة، ولا لتجعل كل خلاف فقهي معركةً بين الحق والباطل.

فليس كل خلاف بدعة، ولا كل خطأ انحرافًا في الأصول، ولا كل مسألة اجتهادية تستحق أن تتحول إلى امتحان للولاء والبراء.

وقد يحتاج الحكم الشرعي إلى معرفة الحديث ودرجته، لكنه يحتاج أيضًا إلى فقه دلالته، والجمع بين الأدلة، ومعرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، ومراعاة القواعد والمقاصد المعتبرة.

ومن هنا تظهر خطورة الاقتصار على رواية النصوص دون امتلاك أدوات فهمها، أو اقتطاع قول لعالم من سياقه، ثم تحويله إلى حكم عام يُنزل على كل زمان ومكان.

وهذه آفة لا تختص بتيار دون آخر، لكنها تستحق النقد حين تظهر في خطاب بعض المنتسبين إلى السلفية المدخلية.

🔹 رابعًا: من نقد الأخطاء إلى صناعة الخصومات

النصيحة والتحذير من الخطأ أمران معروفان في الشريعة، وقد يحتاج المسلم إلى بيان انحراف حقيقي في قول أو منهج، حمايةً للدين والناس.

لكن المشكلة تبدأ حين يتجاوز النقد حدَّه، ويتحول إلى اشتغال دائم بتصنيف الأشخاص، وتتبع العثرات، وتضخيم الزلات، وتحويل الخلافات العلمية إلى خصومات شخصية.

وهنا ينبغي أن نطرح أسئلة جادة:

هل كل خطأ يوجب إسقاط صاحبه؟ وهل كل اجتهاد مخالف لما نراه صوابًا دليل على فساد المنهج؟ وهل يجوز أن يُختزل تاريخ الداعية وجهده كله في زلة واحدة، أو أن يُحكم على الناس من خلال موقف واحد دون معرفة سياقه وتفاصيله؟

إن الجرح والتعديل علم له أصوله وضوابطه، وليس سلاحًا مفتوحًا في أيدي كل من أراد الطعن في مخالفيه. والتحذير الشرعي لا يُقاس بحدة العبارة وكثرة الأسماء، بل بصدق المعلومة، وصحة الحكم، وتناسبه مع الخطأ، ومراعاة المصالح والمفاسد.

ومن هنا، فإن نقد بعض الممارسات المدخلية في باب التجريح والتبديع لا يعني رفض النقد العلمي، وإنما يعني رفض الغلو فيه، والانتقائية في تطبيقه، وتحويله إلى وسيلة لإقصاء المخالفين وتفتيت الجهود الدعوية.

فالمنهج الذي يدعو إلى اتباع السلف ينبغي أن يظهر أثره في العدل مع المخالف، كما يظهر في التحذير من الخطأ.

🔹 خامسًا: حين تطغى الجزئيات على قضايا الأمة الكبرى

ليس من الخطأ أن يتعلم المسلم أحكام الطهارة والعبادات، أو أن يبحث في مسائل العقيدة والحديث والفقه؛ فهذه علوم شرعية معتبرة، ولا يجوز الانتقاص من شأنها.

لكن الخلل يقع عندما تستولي مسائل محدودة أو خلافات متكررة على مساحة الخطاب الديني كله، بينما تتراجع قضايا العلم، والتربية، والإصلاح، وحماية الحقوق، ومقاومة الفساد، وبناء الإنسان، ومعالجة مشكلات المجتمع.

إن الدين لا ينحصر في الجدل حول المسائل الفرعية، كما أن إصلاح المجتمع لا يتحقق بإهمال العقيدة والعبادة؛ وإنما يحتاج الأمر إلى رؤية متوازنة تعطي كل باب حقه، وتضع الأولويات في مواضعها.

ومن حقنا أن نسأل عن أي خطاب دعوي: ما مقدار ما يقدمه من علم نافع؟ وما أثره في أخلاق الناس؟ وما إسهامه في إصلاح المجتمع؟ وهل يربي أتباعه على التفكير المنضبط والإنصاف، أم يجعلهم أسرى الخصومات والتصنيفات؟

ويمكن توجيه هذه الأسئلة إلى الخطاب المدخلي وغيره، دون تعميم ولا اتهام بلا دليل.

فليست كثرة التحذيرات وحدها دليلًا على نجاح الدعوة، كما أن الانشغال بقضايا الواقع لا يعني بالضرورة التفريط في الدين.

🔹 سادسًا: أخطر الانحراف أن يظن صاحبه أنه لا ينحرف

قد يبدأ الخلل من مسألة صغيرة، أو من فهم ناقص لنص، أو من تعصب لرأي، أو من ثقة مفرطة في شيخ أو جماعة.

ثم تتراكم الأخطاء، ويصعب على صاحبها الاعتراف بها، لا لأنه لا يملك دليلًا فحسب، بل لأنه أصبح يرى مراجعة موقفه تراجعًا عن الحق، والاعتراف بالخطأ هزيمة، ومخالفة الجماعة خروجًا عن المنهج.

وهنا تكمن الخطورة: أن يتحول الاجتهاد البشري إلى حقيقة لا تقبل المراجعة، وأن يُمنح بعض الأشخاص من العصمة العملية ما لا يستحقه إلا الوحي.

والواجب أن يبقى المسلم مستعدًّا لمراجعة فهمه، وأن يفرق بين النص الشرعي وفهمه للنص، وبين العالم المعصوم من الخطأ والعالم المجتهد الذي يصيب ويخطئ.

ولا يكفي أن نرفع شعار الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ بل لا بد أن نمارس هذا الرجوع بأمانة، وأن نقبل ما يظهر لنا من الحق، ولو خالف ما اعتدناه أو ما قرره من نثق بهم.

🔹 سابعًا: كيف نستعيد حقيقة المنهج السلفي؟

إن استعادة المنهج السلفي لا تكون بمزيد من الشعارات، ولا بتوسيع دائرة التصنيف، ولا بإغلاق باب الاجتهاد والنقاش؛ وإنما تكون بالعودة إلى أصوله العلمية والأخلاقية.

ومن ذلك:

▪️ تعظيم القرآن والسنة مع إحسان فهمهما والجمع بين أدلتهما.

▪️ احترام العلماء دون تقديس الأشخاص أو تحويل أقوالهم إلى نصوص معصومة.

▪️ التفريق بين المسائل القطعية والمسائل الاجتهادية، وعدم تضخيم الخلاف فيما يسوغ فيه الاجتهاد.

▪️ ضبط الجرح والتعديل بضوابط العلم والعدل، والابتعاد عن التسرع في التبديع والتضليل.

▪️ تقديم النصيحة بالحكمة، والإنكار بالعلم، والحكم على الأقوال والأشخاص بقدر ما تثبته الأدلة.

▪️ الاهتمام بأخلاق الدعوة ومقاصد الشريعة وقضايا المجتمع، دون إهمال العلم الشرعي أو تحويله إلى جدل لا ينتهي.

▪️ الاعتراف بأن الانتساب إلى منهج علمي لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، ولا يبرر له ظلم مخالفيه.

الخاتمة:

إن الصراط المستقيم ليس اسمًا لجماعة، ولا شعارًا يرفعه الإنسان ثم يستغني به عن محاسبة نفسه؛ بل هو التزام مستمر بالحق، وطلب للعلم، وعدل في الحكم، ورحمة بالخلق، واستعداد للرجوع عن الخطأ.

وإذا أردنا نقد السلفية المدخلية أو غيرها من الاتجاهات الدعوية، فإن النقد الأجدى ليس الاكتفاء بالأسماء والأحكام العامة، بل دراسة الأقوال والمواقف، وتمحيص الأدلة، وبيان مواضع الخلل، والتمييز بين الأصول الصحيحة والممارسات المنحرفة.

فقد يكون الخطأ في الفهم، أو في ترتيب الأولويات، أو في تنزيل الأحكام، أو في طريقة التعامل مع المخالف؛ ولكل موضع نقده الذي يناسبه.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه كل خطاب ينتسب إلى السلف هو: هل قرّب الناس من هدي القرآن والسنة وأخلاق السلف، أم جعل الانتساب نفسه غاية، وأشغل أتباعه بالخصومات عن العلم والعدل والإصلاح؟

فبقدر ما نقترب من العلم والإنصاف والرحمة، نقترب من حقيقة المنهج؛ وبقدر ما نستبدل بها التعصب والغلو والخصومات، تتسع المسافة بين الشعارات ومقاصد الدين.

والله ولي التوفيق.

كيف انهزم العرب؟ حين أضاع القادة فرص النصر ودفعت الشعوب الثمن

 

كيف انهزم العرب؟ حين أضاع القادة فرص النصر ودفعت الشعوب الثمن

حقائق خفية وراء حروب تعيسة — قراءة في فكر محمد الغزالي

لم تكن الهزائم العربية أمام إسرائيل، في نظر المفكر الإسلامي محمد الغزالي، مجرد نتيجة لتفوّق السلاح أو كثرة الإمكانات لدى العدو؛ بل كانت وراءها، بحسب قراءته، أخطاء سياسية وعسكرية، واضطراب في القيادة، وصراع على السلطة، وإضعاف للروح المعنوية والدينية التي كان يرى أنها قادرة على بثّ القوة والصمود في نفوس المقاتلين.

وفي هذا المقال، يستعيد الغزالي محطات من حروب العرب مع إسرائيل، متوقفًا عند هزيمة عام 1948، ونكسة عام 1967، وحرب أكتوبر 1973، ليطرح سؤالًا يتجاوز ميادين القتال:

هل كانت المشكلة في شجاعة الجندي العربي، أم في القرارات التي اتُّخذت باسمه، والفرص التي ضاعت من بين يديه؟

أولًا: كيف انهزم العرب؟

يرى الغزالي أن الدولة التي قامت في فلسطين، وما حظيت به من دعم دولي وإمكانات عسكرية، لم يكن ذلك وحده كافيًا لتفسير انتصاراتها المتعاقبة؛ فالحروب، في نظره، لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما تتداخل فيها القيادة والتخطيط والمعنويات ووحدة الصف.

ويؤكد أن العرب لم يحققوا انتصاراتهم الكبرى عبر تاريخهم بمجرد كثرة العدد أو التفوق في العتاد، بل كان للإيمان والاستعداد للتضحية وبذل الجهد دور أساسي في تصورهم لمعنى النصر.

ومن هنا، يرفض الغزالي تفسير الهزائم العربية بأنها دليل على تفوق المقاتل الإسرائيلي في كل الأحوال، ويرى أن جانبًا كبيرًا من أسبابها يعود إلى ضعف القيادات، وسوء التخطيط، والصراعات السياسية، وانشغال بعض الأنظمة بمصالحها الداخلية على حساب المواجهة مع العدو.

ويقول، بلهجة يغلب عليها الألم والغضب، إن الجنود العرب دفعوا من دمائهم ثمن أخطاء قادة لم يكونوا، في تقديره، على مستوى المسؤولية التي تحملوها.

وهو بذلك يريد أن يلفت الأنظار إلى حقيقة مهمة: لا تكفي شجاعة الجنود وحدها لتحقيق النصر إذا كانت القرارات السياسية والعسكرية تقود إلى إهدار تضحياتهم.

هزيمة 1948: بين الميدان والقرار السياسي

يستعيد الغزالي أحداث حرب فلسطين سنة 1948، ويركز على ما يراه فرصًا ضاعت من الجيوش العربية في مراحل مبكرة من الحرب، وعلى أثر التدخلات الدولية والهدن والقرارات السياسية في تغيير مسار المواجهة.

ويعرض روايته للأحداث باعتبار أن القوات العربية كانت تملك، في بعض المراحل، قدرة على إلحاق هزيمة أكبر بالقوات الإسرائيلية، لكن عوامل سياسية وتدخلات خارجية وقرارات قيادية حالت دون استثمار تلك الفرص.

ويشير كذلك إلى دور الترتيبات الدولية في تثبيت الهدنة، ثم إلى الاعتراف الدولي بإسرائيل، وما أعقب ذلك من تحولات في موازين القوى بالمنطقة.

وفي قراءته، لم تتوقف آثار الهزيمة عند خسارة الأرض؛ بل امتدت إلى الحياة السياسية العربية، حيث برزت أنظمة عسكرية واستبدادية رفعت شعارات التحرير، لكنها ضيّقت على الحريات، وواجهت تيارات إسلامية وسياسية داخل بلدانها.

ويرى الغزالي أن هذا المسار أضعف المجتمعات العربية، وقلّص قدرتها على بناء حياة سياسية أكثر مشاركة، وعلى الجمع بين التحرير الخارجي والإصلاح الداخلي.

ومن هنا، يربط بين استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وبين طبيعة الأنظمة التي تشكلت في المنطقة، معتبرًا أن قمع الحريات وإضعاف القوى الاجتماعية لا يخدمان بالضرورة قضية التحرير، بل قد يزيدان المجتمعات وهنًا واضطرابًا.

ثانيًا: الروح المعنوية وصناعة الصمود

ينتقل الغزالي إلى مرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967، مستحضرًا تجربته الشخصية في التواصل مع الجنود المصريين على الجبهة.

ويذكر أنه شارك، مع عدد من الدعاة، في أنشطة دينية وتوعوية بين الجنود، بتنسيق مع الشيخ حافظ سلامة، إمام مسجد الشهداء في السويس، الذي كان يسعى إلى إيصال الخطباء والدعاة إلى مواقع الجيش، وإقامة الصلة بين المقاتلين ومصادر الإيمان والمعنويات.

وكان الغزالي يزور مواقع قريبة من الجبهة، ويتحدث إلى الجنود والضباط، ويستمع إلى أسئلتهم وهمومهم، ويحاول التخفيف من آثار الهزيمة التي تركت جرحًا عميقًا في نفوسهم.

وقد آلمه ما شاهده من آثار الدمار، وكان يرى أن كثيرًا من تلك المعاناة لم يكن نتيجة ضعف الجنود أو افتقارهم إلى الشجاعة، بل نتيجة قرارات وأخطاء قيادية لم يكن المقاتلون العاديون مسؤولين عنها.

وبقي، بحسب روايته، يتابع أحوال الجنود ويشارك في رفع معنوياتهم، حتى جاءت حرب أكتوبر 1973.

من مرارة الهزيمة إلى فرحة العبور

كان الغزالي خارج مصر عندما اندلعت حرب أكتوبر، وتابع الأنباء المتلاحقة عن عبور القوات المصرية قناة السويس، واختراق خط بارليف، وتقدم الجنود في مواجهة التحصينات الإسرائيلية.

وقد أثارت تلك الأخبار حماسته وأمله، ولا سيما ما نقله عن مشاهد التكبير والصلاة واستحضار الجنود لمعاني الإيمان والتضحية.

وفي تفسيره لهذه التحولات، رأى أن الروح المعنوية التي أعادت إلى الجنود ثقتهم بأنفسهم كانت عاملًا مهمًّا في قدرتهم على تجاوز آثار هزيمة 1967.

ويعبّر الغزالي عن قناعته بأن الإيمان لم يكن، في نظره، أمرًا منفصلًا عن حياة المقاتل، بل مصدرًا للشجاعة والصبر والاستعداد لتحمل المشاق.

ومن هنا، يربط بين عودة مظاهر التدين في صفوف الجنود وبين استعادة الثقة والقدرة على المبادرة.

ومع ذلك، فإن فهم الانتصار العسكري يقتضي النظر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة؛ من إعداد القوات والتخطيط والقيادة والتدريب، إلى الروح المعنوية والإيمان بالهدف الذي يقاتل الجنود من أجله.

فالروح المعنوية ليست بديلًا عن التخطيط والكفاءة، كما أن الكفاءة العسكرية لا تلغي أهمية الدافع المعنوي والنفسي.

ويرى الغزالي أن المقاتلين المصريين أظهروا في بداية حرب أكتوبر قدرات كبيرة، وأن ما حققوه كان يستحق قيادة تستثمر نجاحهم وتدير المعركة على مستوى تضحياتهم.

ثالثًا: حين تتحول فرص النصر إلى أسباب للهزيمة

على الرغم من فرحة العبور والنجاحات الأولى، فإن الغزالي يعتقد أن القيادة المصرية لم تستثمر كل الفرص التي أتاحتها تلك النجاحات.

ويعبر عن أسفه لما يراه من فجوة بين أداء الجنود في الميدان وبين القرارات السياسية والعسكرية التي أعقبت تقدمهم.

ويتوقف عند ما أُثير بشأن وقف القتال، والتحولات التي شهدتها الجبهة، والثغرة التي تمكنت القوات الإسرائيلية من استغلالها غرب قناة السويس، وما ترتب على ذلك من حصار الجيش الثالث وتغير الوضع العسكري.

وفي هذا السياق، يستند المقال إلى روايات عن دور وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في إدارة الأزمة، وعن المساعدات العسكرية الأمريكية التي وصلت إلى إسرائيل خلال الحرب.

ويورد الكاتب، نقلًا عن مقالات للدكتور هيثم عبدالكريم تناولت مذكرات كيسنجر، رواية مفادها أن الولايات المتحدة عملت على منع انهيار إسرائيل عسكريًّا، وأن الجسر الجوي الأمريكي أسهم في تعزيز قدرتها على مواصلة القتال، كما ساعد الدعم الاستخباراتي والعسكري في استغلال نقاط الضعف في الجبهة المصرية.

ويذهب الغزالي إلى أن هذه التدخلات، إلى جانب الأخطاء التي وقعت فيها القيادة المصرية، أسهمت في تغيير مسار المعركة بعد النجاحات الأولى.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: ثبوت الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل خلال الحرب، وهو أمر تاريخي معروف، وبين تفاصيل النيات والخطط المنسوبة إلى كيسنجر، التي تحتاج إلى الرجوع إلى المصادر الأصلية للتحقق من دقتها وسياقها.

لكن الفكرة الأساسية التي يريد الغزالي إبرازها واضحة: قد يحقق الجيش نجاحًا ميدانيًّا كبيرًا، ثم تتراجع ثمرة هذا النجاح بسبب القرارات السياسية والعسكرية اللاحقة.

ومن هذا المنطلق، لا يرى أن دراسة الحروب ينبغي أن تقتصر على لحظة الهجوم أو الانتصار الأول، بل يجب أن تشمل إدارة المعركة، وتقدير المخاطر، وحماية القوات، والتعامل مع التدخلات الخارجية، وحسن استثمار المكاسب.

رابعًا: حرب الانسحاب لا تقل خطورة عن حرب الهجوم

لا يقتصر حديث الغزالي على الهجوم والتقدم، بل يلفت الانتباه إلى أهمية الصمود عندما تتغير ظروف المعركة، ويصبح الدفاع عن الأرض والمدن ضرورة ملحّة.

ويستشهد بما يرويه عن المقاومة الشعبية في مدينة السويس، وبالدور الذي أداه الشيخ حافظ سلامة مع مجموعات من أبناء المدينة في مواجهة القوات الإسرائيلية التي تقدمت نحوها.

فبعد أن وصلت القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس، وتعرضت المنطقة لتهديد مباشر، ينقل الغزالي أن بعض المسؤولين المحليين مالوا إلى الاستسلام تجنبًا لخسائر كبيرة، بينما رفض حافظ سلامة ذلك، وأصر على مقاومة التقدم الإسرائيلي.

ويصف المقال كيف تحولت الجهود الشعبية إلى صورة من صور المقاومة، وكيف أسهم أبناء المدينة، بما توفر لديهم من إمكانات، في الدفاع عنها وإسناد القوات المصرية.

كما يبرز دور المسجد في تنظيم العمل، وتقديم المساعدات، وإيصال المؤن إلى الجنود الذين كانوا يواجهون ظروفًا صعبة.

وفي هذه الرواية، لا يظهر المسجد مجرد مكان للعبادة، بل مؤسسة اجتماعية قادرة على الإسهام في الإغاثة والتعبئة وخدمة المجتمع في أوقات الأزمات.

ويأسف الغزالي لأن دور حافظ سلامة، في تقديره، لم ينل ما يستحقه من الاعتراف، بل تعرض الرجل للسجن والاتهام، ويرى في ذلك مثالًا على سوء تعامل بعض الأنظمة مع الشخصيات التي لا تنسجم معها سياسيًّا.

ويخلص من هذه التجربة إلى أن مقاومة الاحتلال لا تقتصر على الجيوش النظامية وحدها، وأن تماسك المجتمع وتعاونه وقدرته على الصمود عوامل لا يمكن تجاهلها في أوقات الحرب.

لكن العبرة الأهم ليست في تمجيد الاندفاع وحده، وإنما في الجمع بين الشجاعة وحسن التدبير، وبين الاستعداد للتضحية والمحافظة على الأرواح، وبين دور المؤسسات العسكرية ودور المجتمع في إسنادها.

فالشجاعة تحتاج إلى قيادة رشيدة، والتضحية تحتاج إلى هدف واضح، والصمود يحتاج إلى تنظيم وحسن تقدير للمخاطر.

خامسًا: حين يُقصى الدين عن حياة المجتمع

يخصص الغزالي جانبًا مهمًّا من مقاله لنقد السياسات التي سعت إلى إبعاد الدين عن المجال العام، ويرى أن بعض الأنظمة العربية تعاملت مع التدين باعتباره تهديدًا سياسيًّا، بدل النظر إليه بوصفه عنصرًا من عناصر هوية المجتمع ومصدرًا من مصادر التماسك الأخلاقي والمعنوي.

وفي المقابل، يلاحظ أن إسرائيل تستند، في خطابها وهويتها السياسية لدى قطاعات من مجتمعها، إلى روايات دينية وتاريخية، وتستثمر هذه الروايات في التعبئة وتعزيز الانتماء.

ويستخدم الغزالي هذه المقارنة لانتقاد ما يراه تناقضًا في تعامل بعض الحكومات العربية مع الدين: فهي تواجه خصمًا يوظف المعتقدات والهويات في تعبئة مجتمعه، بينما تحارب في الداخل مظاهر التدين وتضيّق على الدعاة والتيارات الإسلامية.

ويقول إن إضعاف الحريات، وفتح السجون أمام المعارضين، والتضييق على العمل الإسلامي، لا يؤدي بالضرورة إلى تقوية الدولة أو تعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، بل قد يخلق فجوة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.

ويستشهد كذلك بما نُقل عن كيسنجر من تعليقات على الأوضاع السياسية في إيران وسقوط الشاه، ويقرأ فيها تحذيرًا من التحولات الشعبية التي قد تطيح بالأنظمة إذا عجزت عن فهم مجتمعاتها.

غير أن هذه الأقوال المنقولة، وتفسير الغزالي لمقاصد أصحابها، ينبغي التثبت منها بالرجوع إلى مصادرها وسياقاتها؛ فليس كل نقد لنظام سياسي دليلًا على وجود خطة موحدة لإخضاع الشعوب، كما أن تفسير المواقف الدولية يحتاج إلى أدلة تتجاوز الاستنتاج وحده.

أما الفكرة التي يدافع عنها الغزالي فهي أن الهوية الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى تهمة، وأن الاعتزاز بالإسلام لا يتعارض، في ذاته، مع الأخذ بأسباب القوة والتقدم والتنظيم.

ومن المهم هنا التفريق بين الإيمان بوصفه مصدرًا للأخلاق والمعنى والتضحية، وبين استخدام الدين أداةً في الصراع على السلطة؛ فالأول قد يسهم في بناء المجتمع وتقويته، أما الثاني فقد يتحول إلى وسيلة للاستغلال السياسي إذا انفصل عن العدل والمحاسبة.

سادسًا: ما الدروس التي يريد الغزالي إيصالها؟

من خلال استعراضه لهذه الحروب، يطرح الغزالي مجموعة من الأفكار التي تتجاوز الوقائع العسكرية إلى طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، وبين الإيمان والعمل، وبين القيادة والجندي.

1. لا تُختزل الهزيمة في ضعف المقاتلين.

فالجندي قد يمتلك الشجاعة والاستعداد للتضحية، لكن نجاحه يرتبط أيضًا بجودة التدريب، وسلامة الخطة، وكفاءة القيادة، وحسن إدارة المعركة.

2. النصر العسكري يحتاج إلى قرار سياسي مسؤول.

فالنجاحات الميدانية لا تتحول تلقائيًّا إلى مكاسب دائمة؛ إذ يتطلب استثمارها تقديرًا دقيقًا للموقف، ومعرفة بقدرات العدو وحلفائه، وموازنةً بين الأهداف والتكاليف.

3. الدعم الخارجي عامل لا يمكن تجاهله.

فالحروب لا تجري دائمًا بين طرفين معزولين، بل تؤثر فيها التحالفات والإمدادات العسكرية والاستخبارات والتدخلات الدبلوماسية. وفهم نتائجها يتطلب دراسة هذه العوامل بدل الاكتفاء بتفسير واحد.

4. الروح المعنوية جزء من القوة، وليست بديلًا عن أسبابها المادية.

فالثقة بالنفس، والإحساس بعدالة القضية، والاستعداد للصبر والتضحية، قد تؤثر في أداء المقاتلين، لكنها تحتاج إلى إعداد وتخطيط وتسليح وقيادة كفؤة.

5. قمع المجتمع لا يصنع بالضرورة دولة قوية.

فالأنظمة التي تضيق على الحريات وتستعدي قطاعات واسعة من شعوبها قد تضعف الثقة بينها وبين المجتمع، وتعرقل الاستفادة من طاقاته العلمية والاجتماعية والفكرية.

6. دراسة التاريخ تحتاج إلى الشجاعة والإنصاف معًا.

فليس من الحكمة أن ننسب كل هزيمة إلى المؤامرات الخارجية، كما لا يصح تجاهل أثر التدخلات الأجنبية. وليس من الإنصاف إعفاء القيادات من مسؤولياتها، ولا من الدقة أن نحملها وحدها كل ما حدث من دون دراسة الوقائع والظروف والإمكانات المتاحة.

خاتمة: بين الإيمان والكفاءة والمسؤولية

إن الرسالة التي يريد محمد الغزالي إيصالها من وراء هذه الصفحات هي أن الهزائم لا تُفهم من خلال أعداد الجنود والأسلحة وحدها، ولا من خلال الشعارات التي ترفعها الأنظمة، وإنما عبر دراسة شاملة للقيادة والسياسة والتخطيط والروح المعنوية والعلاقات الدولية.

وهو يعتقد أن إبعاد الدين عن حياة المجتمع، وملاحقة الدعاة، وإضعاف الحريات، كانت من العوامل التي أضرت بقدرة العرب على مواجهة التحديات، وأن استعادة الثقة بالنفس والإيمان بالغاية يمكن أن تساعد على تجاوز آثار الهزيمة.

ومع أهمية هذا البعد في فكر الغزالي، فإن قراءة التاريخ قراءة مسؤولة تقتضي ألا نجعل العامل الديني تفسيرًا وحيدًا للنصر أو الهزيمة، وألا نحول النقد السياسي إلى أحكام مطلقة لا تستند إلى الأدلة.

فالحروب تُحسم بتفاعل عوامل متعددة، والإيمان الصادق لا يعفي من الأخذ بالأسباب، كما أن التفوق المادي لا يضمن وحده حسن القرار أو سلامة النتائج.

والدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه هو أن شجاعة الشعوب تحتاج إلى قيادة أمينة وكفؤة، وأن الإيمان يحتاج إلى عمل منظم، وأن التحرير لا ينفصل عن بناء الإنسان، وصيانة كرامته، وإقامة العدل، وتحمل المسؤولية.

فلا يكفي أن نبحث عن أسباب الهزيمة خارج أنفسنا، ولا أن نكتفي بلوم الجنود الذين دفعوا الثمن؛ بل ينبغي أن نراجع القرارات، ونفحص الوقائع، ونتعلم من الأخطاء، ونبني مؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات والتضحيات إلى نتائج حقيقية.

تلك هي القراءة التي تجعل من التاريخ مصدرًا للفهم والإصلاح، لا مجرد مناسبة لاستعادة الألم أو تكرار الشعارات.

ملاحظة: النص أعلاه صياغة تحريرية مستندة إلى الأفكار الواردة في المقال المقدم، وليس نقلًا حرفيًّا كاملًا له. وينبغي توثيق الاقتباسات المنسوبة إلى كيسنجر وغيره، ومراجعة التفاصيل العسكرية والتاريخية، قبل اعتمادها بوصفها حقائق موثقة.

نحتاج إلى فقه النصوص، لا إلى جمعها فحسب

 

الإيمان بالقدر لا يعني الجبر: قراءة في العلاقة بين القرآن والسنة وإرادة الإنسان

تمهيد: القرآن والسنة ومنهج فهم النصوص

القرآن الكريم ينبوع الهداية الأول، وكتاب الله الذي أنزله نورًا للناس، وميزانًا يُرجع إليه في فهم الحقائق الدينية، وردّ المتشابه إلى المحكم، وفهم النصوص في إطارها المتكامل.

والسنة النبوية الصحيحة بيان للقرآن، وهدْيٌ يُفهم في ضوئه، ولا يصح أن يُتصور التعارض الحقيقي بين الوحيين؛ فما صح عن رسول الله ﷺ لا يناقض القرآن مناقضة حقيقية، وإن بدا التعارض أحيانًا بسبب ضعف رواية، أو سوء فهم لدلالتها، أو عدم الجمع بينها وبين سائر النصوص.

غير أن التعامل مع السنة يحتاج إلى علم وتمحيص؛ فالأحاديث ليست كلها في درجة واحدة من الثبوت، فمنها المتواتر، ومنها أخبار الآحاد، وقد بذل أئمة الحديث جهودًا عظيمة في نقد الأسانيد والمتون، وتمييز الصحيح من الضعيف، ومعرفة الشاذ والمعلول.

وليس من الإنصاف تجاهل هذا التراث النقدي الدقيق، كما ليس من المنهج العلمي أن يُقبل كل ما يُروى دون فحص، أو أن يُرد حديث لمجرد أن ظاهره لم يتضح لنا، أو لم يوافق فهمًا أوليًا لآية من القرآن.

فالمطلوب ليس تقديم القرآن على السنة الصحيحة بوصفهما متعارضين، وإنما فهم القرآن والسنة معًا وفق قواعد العلم، ومناهج النقد، وأصول الاستدلال.

أولًا: أحاديث الآحاد بين الثبوت والدلالة

أخبار الآحاد هي الأخبار التي لم تبلغ حد التواتر، وهي ليست رتبة واحدة من حيث القوة، كما أن دلالاتها ليست على درجة واحدة من الوضوح.

وقد اختلف العلماء في إفادة خبر الواحد العلم، وفي الشروط والقرائن التي تقوّي دلالته، وفي مدى الاحتجاج به في مسائل الاعتقاد. فلا يصح تصوير المسألة على أنها اتفاق مطلق على أن كل خبر آحاد لا يفيد إلا الظن، كما لا يصح التسوية بين جميع الأخبار في درجة اليقين.

والمهم هنا أن نفرّق بين أمرين:

  • ثبوت الخبر: هل صح إسناده، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة؟

  • دلالة الخبر: ماذا يعني؟ وكيف يُجمع بينه وبين النصوص الأخرى؟

فقد يصح الحديث، ثم يقع الخلاف في فهمه أو تحديد المراد منه، وقد يكون ظاهر رواية ما محتاجًا إلى تفسير في ضوء روايات أخرى أو أدلة أقوى منها.

ومن هنا تظهر أهمية الفقه في الحديث، وأهمية معرفة القرآن ومقاصده وأصول الشريعة، وعدم الاكتفاء بحفظ الروايات دون فهم دلالاتها ومواقعها من منظومة الأحكام.

وليس كل اختلاف بين حديث وآية تعارضًا حقيقيًا، كما أن مجرد صحة الإسناد لا تعني أن كل تفسير محتمل للمتن صحيح.

فالحديث الصحيح يُفهم في ضوء مجموع النصوص، ولا يُحمَّل ما لا يحتمل، ولا يُردّ بغير حجة علمية معتبرة.

ثانيًا: القرآن الكريم أساس في فهم قضايا القدر

إذا انتقلنا إلى قضية القدر، وجدنا القرآن يؤكد بوضوح مسؤولية الإنسان عن عمله، ودور اختياره في طريقه إلى الخير أو الشر.

يقول الله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].

ويقول سبحانه:

﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7].

ويقول تعالى:

﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 8-10].

تربط هذه الآيات بين أعمال الإنسان وبين ما يترتب عليها من عواقب، وتحثه على تزكية نفسه، والإنفاق، والتقوى، والإيمان، وتحذره من البخل والاستغناء والتكذيب.

وهذا الربط ليس أمرًا هامشيًا؛ بل هو من أساس الخطاب القرآني في الهداية والتكليف والثواب والعقاب.

فالإنسان مأمور بالسعي، ومطالب بمجاهدة نفسه، ومسؤول عن اختياراته في حدود استطاعته، ولا يجوز أن تتحول عقيدة القدر إلى دعوة للكسل أو اليأس أو التهرب من المسؤولية.

لكن ينبغي أن ننتبه إلى أن إثبات مسؤولية الإنسان لا يعني إخراجه من سلطان الله ومشيئته، كما أن إثبات القدر لا يعني إلغاء اختياره.

فالواجب فهم النصوص كلها معًا: إثبات القدر، وإثبات التكليف، وإثبات مسؤولية الإنسان عن عمله.

ثالثًا: هل يتعارض سبق الكتاب مع مسؤولية الإنسان؟

من الأحاديث التي يُستدل بها في هذا الباب ما ورد في شأن كتابة مقادير أهل الجنة والنار، وفيه ذكر الكتابين اللذين كُتبت فيهما أسماء أهل الجنة وأهل النار، ثم سؤال الصحابة عن العمل بعد سبق الكتاب.

وهذا المعنى يثير سؤالًا مهمًا: إذا كان الله تعالى قد علم ما سيكون، وكتب مقادير الخلائق، فما فائدة العمل؟ وهل يكون الإنسان مجبورًا على ما يفعل؟

الجواب أن سبق العلم والكتابة لا يستلزم، بمجرده، الإكراه.

ولتقريب المعنى، يمكن أن نضرب مثالًا بالمعلم الذي يعرف طلابه، ويقدّر مستوياتهم من خلال ما يراه من اجتهادهم واستعدادهم. فإذا جاءت النتائج موافقة لتقديره، لم يكن مجرد علمه هو الذي أحدث النجاح أو الرسوب؛ وإنما ظهرت النتائج وفق الأسباب التي تحققت في الواقع.

وهذا المثال للتقريب فقط، لا للمماثلة بين علم الله وعلم البشر؛ فعلم الله كامل، أزلي، محيط بكل شيء، بخلاف علم الإنسان المحدود المكتسب.

والمقصود أن العلم بالشيء ليس هو الإكراه عليه؛ فسبق علم الله بأفعال العباد لا يعني أن علمه أجبرهم على فعلها، ولا أن التكليف فقد معناه.

أما حقيقة العلاقة بين القدر الإلهي واختيار الإنسان، فهي من المسائل العميقة التي ينبغي تناولها بجمع النصوص، لا بالاكتفاء بظاهر رواية واحدة أو بمثال عقلي منفرد.

وقد جاءت النصوص بالحث على العمل، والأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والوعد بالثواب والوعيد بالعقاب. وكل ذلك يدل على أن الإيمان بالقدر لا يبيح للإنسان ترك السعي أو الاحتجاج بالمكتوب على تقصيره.

رابعًا: كيف نتعامل مع الروايات التي يبدو ظاهرها مخالفًا للمحكم؟

قد تَرِد رواية في باب القدر، فيُفهم من ظاهر بعض ألفاظها أن مصير الإنسان لا صلة له بأعماله، أو أن العمل لا قيمة له ما دامت المقادير قد كُتبت.

وهنا لا ينبغي التسرع في أحد اتجاهين:

الأول: قبول كل فهم ظاهر للرواية، ولو أدى إلى إهمال النصوص الأخرى التي تأمر بالعمل وتقرر المسؤولية.

والثاني: الحكم على الرواية بالوهم أو البطلان لمجرد الإشكال في فهمها.

بل المنهج العلمي يقتضي أن نبدأ بجمع طرق الحديث وألفاظه، والنظر في أسانيده، ومقارنته بالنصوص الأخرى، ثم البحث في المعنى الذي ينسجم مع مجموع الأدلة.

وقد يكون الإشكال ناشئًا من رواية بالمعنى، أو اختلاف في الألفاظ، أو فهم غير دقيق للسياق، أو علة حديثية حقيقية؛ ولا يُعرف ذلك إلا بالبحث والتحقيق.

ومن هنا كانت شروط الحديث الصحيح أوسع من مجرد اتصال السند وثقة الرواة؛ إذ يُنظر كذلك في الشذوذ والعلل القادحة.

لكن الحكم بأن رواية بعينها شاذة أو معلولة يحتاج إلى برهان حديثي، لا إلى مجرد الاستبعاد العقلي.

فالواجب أن نخضع فهمنا للنصوص لقواعد العلم، لا أن نُخضع النصوص لأحكام متعجلة.

خامسًا: هل يجوز أن يتساوى المؤمن والمجرم في الجزاء؟

يقرر القرآن الكريم أن الجزاء مرتبط بالإيمان والعمل، وأن الله لا يسوي بين المحسن والمسيء في حكمه العام.

قال تعالى:

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35-36].

وقال سبحانه:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].

وهذه الآيات تؤكد أن الإيمان والعمل الصالح ليسا أمرين عديمي الأثر، وأن الشرع لا يدعو إلى التسوية بين الطاعة والمعصية، أو بين الإحسان والإفساد.

وفي المقابل، فإن تقرير العدل الإلهي لا يعني أن البشر يحيطون بجميع تفاصيل الحكمة الإلهية، ولا أن لهم أن يحكموا على مصائر الأفراد في الآخرة من غير علم.

فالله تعالى حكيم، عليم، رحيم، لا يظلم أحدًا، وهو أعلم بأعمال عباده ونياتهم وأحوالهم وما قامت عليهم به الحجة.

وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة إلى تصوير أفعال الله على أنها عبث أو ظلم؛ فالله منزه عن الظلم، وقد أخبرنا عن عدله وحكمته، وإن قصرت عقولنا عن إدراك بعض وجوه الحكمة في أفعاله.

ولذلك يجب الحذر من عرض قضايا القدر بصيغة توهم أن الثواب والعقاب مجرد مصادفات، أو أن أعمال الإنسان لا وزن لها، أو أن الله يعامل الخلق بلا حكمة.

سادسًا: العلم الإلهي لا يلغي إرادة الإنسان

من المهم التفريق بين أمرين: ما يقع للإنسان من غير اختياره، وما يفعله بإرادته وقدرته.

فالإنسان لا يختار ميلاده، ولا جنسه، ولا جميع ظروف نشأته، ولا يملك التحكم في كل ما يحدث لجسده أو يحيط به من أحداث.

وفي المقابل، فإن له قدرًا من الاختيار في أعمال كثيرة؛ فهو يقصد، ويقرر، ويسعى، ويترك، ويطيع، ويعصي، ولذلك يتوجه إليه الأمر والنهي، ويُحاسب على ما يدخل في نطاق مسؤوليته.

ولا يعني هذا أن إرادة الإنسان مستقلة عن إرادة الله، أو أنه يخرج عن مشيئته؛ بل الإنسان مخلوق لله، وقدرته وإرادته من جملة ما وهبه الله له.

قال تعالى:

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29].

فالآيتان تجمعان بين إثبات مشيئة للإنسان، وإثبات أن مشيئته لا تخرج عن مشيئة الله.

وهذا هو موضع الاعتدال في فهم المسألة: فلا جبر يُسقط المسؤولية، ولا استقلال للإنسان عن خالقه.

كما أن المسؤولية تُقدَّر بحسب القدرة والاستطاعة، وتراعى فيها أحوال الإنسان وما يعرض له من إكراه أو عجز أو جهل معتبر، وفق التفصيل الذي تقرره الشريعة.

سابعًا: لا تجعلوا أحاديث القدر ذريعة إلى الاتكال

إن من أخطر النتائج التي قد تترتب على الفهم الخاطئ لأحاديث القدر أن يظن الإنسان أن العمل لا فائدة منه، وأن مصيره قد حُسم بحيث لا معنى للاجتهاد أو التوبة أو إصلاح النفس.

وهذا الفهم لا ينسجم مع الخطاب القرآني الذي يكرر الأمر بالإيمان والعمل الصالح، والدعوة إلى التوبة، والتحذير من المعصية، والحث على الاستقامة.

وقد ورد في السنة ما يدل على أن العلم ببعض الحقائق لا يستلزم نشرها على نحو يؤدي إلى الاتكال وسوء الفهم؛ ومن ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه في حق الله على العباد، حين سأله النبي ﷺ عن إخبار الناس به، فقال: «لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا»، وهو حديث معروف في صحيح مسلم.

والمقصود ليس كتمان العلم بلا ضابط، ولا حجب النصوص الصحيحة عن الناس، وإنما مراعاة الحكمة في التعليم، وحسن البيان، وإزالة ما قد ينشأ من سوء الفهم.

فليس من الحكمة أن تُعرض نصوص القدر على العامة بطريقة توحي بأن الإنسان لا يملك أي دور في حياته، أو أن التوبة والعمل والسعي لا معنى لها.

بل ينبغي أن يُشرح للناس أن الإيمان بالقدر يجتمع مع الأخذ بالأسباب، وأن العبد مأمور بالعمل، وأنه لا يعلم ما كُتب له، فلا يجوز له أن يتذرع بالغيب ليبرر تقصيره.

ومن الخطأ كذلك أن تُحذف النصوص التي يصعب فهمها، أو أن تُرفض لمجرد احتمال إساءة فهمها؛ وإنما الواجب بيانها بيانًا علميًا متوازنًا، يجمع بين النصوص ويمنع التناقض المتوهم.

ثامنًا: خبر الآحاد والاجتهاد في مسائل الاعتقاد

من القضايا المتصلة بهذا الموضوع مسألة الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقائد.

وقد اختلف العلماء في إفادة أخبار الآحاد العلم، وفي شروط الاحتجاج بها في أبواب الاعتقاد، وفي أثر القرائن المصاحبة لها. ولذلك لا يصح عرض المسألة على أنها محل اتفاق مطلق بين جميع المدارس العلمية.

كما أن التفريق بين القطعي والظني لا يعني الاستهانة بالسنة أو إهمال الأحاديث الصحيحة؛ بل يعني إعطاء كل دليل مرتبته، والنظر في ثبوته ودلالته، وعدم بناء حكم قطعي على دليل لا يحتمل ذلك عند المنهج الذي يتبناه الباحث.

والأهم أن يُفرَّق بين صحة الحديث، وبين كون دلالته قطعية أو ظنية، وبين المسائل التي اتفق العلماء على أصولها، والمسائل التي بقي فيها مجال للاجتهاد.

فقد يكون الحديث صحيحًا، مع كون دلالته محتملة، وقد يكون الخلاف في تفسيره لا في ثبوته. ومن هنا لا بد من التحرير قبل نسبة قول إلى جمهور العلماء أو الادعاء بأن المسألة مجمع عليها.

إن احترام السنة لا يتعارض مع نقد الروايات وفق أصول المحدثين، كما أن تعظيم القرآن لا يجيز إهمال السنة الصحيحة أو تحميل الآيات ما لا تدل عليه.

خاتمة: نحتاج إلى فقه النصوص، لا إلى جمعها فحسب

إن قضية القدر من القضايا التي تتطلب علمًا وتأنّيًا، لأنها تتصل بتوحيد الله، وكمال علمه ومشيئته، وبمسؤولية الإنسان عن أعماله، وبفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب.

ومن الخطأ أن تُختزل هذه القضية في رواية واحدة، أو أن يُفهم حديث بمعزل عن سائر النصوص، كما أن من الخطأ أن يُردّ الحديث لمجرد أن الباحث لم يتبين وجه الجمع بينه وبين القرآن.

إن المنهج السليم يقتضي جمع النصوص، والتحقق من ثبوتها، وفهم دلالاتها، والتمييز بين القطعي والظني، وبين العلم والإكراه، وبين ما يقع على الإنسان بغير اختياره وما يتحمل مسؤوليته من أفعاله.

وعلى الدعاة وطلاب العلم أن يجمعوا بين المعرفة بالسنة والفقه في القرآن، وأن يدركوا أن حفظ النصوص لا يغني عن فهمها، وأن كثرة الروايات لا تعوّض عن القدرة على الجمع بينها وترتيب دلالاتها.

فالقدر ليس دعوة إلى اليأس، والعلم الإلهي ليس حجة لترك العمل، والسنة ليست مجموعة روايات تُفهم بمعزل عن أصول الدين ومقاصده.

إنما الواجب أن نفهم النصوص في مجموعها، وأن نؤمن بقدر الله، ونأخذ بالأسباب، ونجتهد في الطاعة، ونتوب من المعصية، ونعلم أن الله لا يظلم أحدًا، وأن علمه وحكمته وعدله محيطة بخلقه.

وهكذا يجتمع الإيمان بالقدر مع العمل، والتوكل مع الأخذ بالأسباب، وتعظيم الوحي مع الفقه في دلالاته؛ فلا إفراط يفضي إلى الجبر، ولا تفريط يفضي إلى إنكار القدر.

ذلك هو الفهم الذي يحفظ للقدر مكانته، وللعمل قيمته، وللنصوص انسجامها، وللعقل دوره في الفهم والاستدلال، من غير أن يتجاوز حدود الوحي أو يدّعي الإحاطة بحكمة الله سبحانه وتعالى.

كلمات فى القدر بين الكتاب و السنة

 

كلمات فى القدر بين الكتاب و السنة

1 - حديث الآحاد

 

القرآن الكريم ينبوع الهداية الأول، ولباب الحق الذي لا يرقى إليه زيغ، ولا تلتبس به شبهة.

وقد أُمر النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يتلوه بلسانه، وأن يشغل بدراسته ويزكو ببِّيناته ويخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وعلى فمه وفي ضميره هذا القول الكريم:  (إِنَّ وَلِّىَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (الأعرف:196)

والسُّنة الشريفة أثر هذا الهدي المستقيم، منه تنبجس وفي وجهته تنطلق!

وصاحبها المعصوم يستحيل أن ينطق بباطل أو يفعل شيئًا لهى يعرض أو شهوة تغلب، فهو من جهاته كلها محفظ بأعين الله..

ومن هنا نستطيع الحكم بأنه من الممتنع أن يكون في سُّنة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ما يخالف القرآن في معنى أو اتجاه، كيف والمنبع واحد؟؟..

ولما كان القرآن الكريم متواترًا حرفًا حرفًا فهو جملة وتفصيلا قطعي الثبوت، أما السنة ففيها الكثير من المتواتر لفظًا أو معنى، وفيها أخبار آحاد، بذل العلماء والنقاد جهودًا هائلة في ضبطها، لم يعرف لها نظير في تراث عظيم من العظماء.

ولا عجب فما التفَّت قلوب حول بشر، كما التفَّ المسلمون حول نبيهم، وما أظفر أحد بإعزاز وحب كما ظفر بذلك صاحب الرسالة الخاتمة.

ولو استمعنا إلى من يرى تجاوز السُّنة لوجب أن ترتفع الثقة بتاريخ البشر كلهم، فإن الروايات التي ثبت بها التاريخ أخف وزنًا من الروايات التي ثبتت بها السنة المحمدية..

كلمات فى القدر بين الكتاب و السنة

 

1 - حديث الآحاد

وقد سمعت إلى مغموصين أنكروا السنة كلها فما وجدت في سيرتهم أو منطقهم ما يستحق الاحترام، ولو ادعوا الإسلام، وكانوا من الحكام..!

ولكن تراث السنة نفسه تعرض لمتاعب من مسلمين مخلصين لم يحسنوا تناوله، ولم يلتزموا الضوابط التي وضعها أئمة السنة الأولون، فكانوا للأسف بلاء على السنة وفتَّانين عن الإسلام كله، ولو لزموا موقف الأئمة الأوائل لكانوا أهدى سبيلا..

هناك من يسوي بين الأخبار المتواترة، وبين أخبار الآحاد في إفادة اليقين، وهذا غلو مرفوض..

وهناك من يرحب بأخبار الآحاد دون تطبيق للشروط العلمية المقررة عن ضرورة خلوها من الشذوذ والعلل القوادح.

وهناك من يقضي سحابة عمره في دراسة السنن، وصلته بالقرآن الكريم واهية، وبصره بهداياته كليل، ولذلك لا يحسن وضع الأحاديث في مواضعها العتيدة من كتاب الله، ولا وضع النسب بين الأركان والنوافل والوسائل والغايات..!

ويتضح هذا المعنى قليلا إذا عرفنا أن علماء المذهب الحنفي يرون أن لا فرض إلا بنص قاطع، وأنه لا حرمة إلا بنص قاطع، وأن أخبار الآحاد لا تفيد القطع، بل هي –كما يرى الجمهور- تفيد الظن العلمي أو العلم الظني..!

ولنترك رأي الأحناف جانبًا لنشرح ما نريد عن طريق ضرب الأمثال..

يقول الله تعالى في جلالة كتابه:  (لاَّ يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيِهِ وَلاَ مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41)

فهل وعى ذلك مَنْ قَبِلَ حديث الغرانيق، وقال إن تظاهر الروايات يجعل له أصلا ما..والقائل محدث كبير، وقد قبل فرية الغرانيق مدع للسلفية كبير، ووضعها في سيرة ألفها..!

الحرث مكان الإنبات بإجماع أُولي الألباب، فهل وعى ذلك مَنْ روى في شرح الآية (نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَّكُم) (البقرة:223) أنه يجوز إتيان النساء في غير مكان الحرث؟

قتال العدوان مرفوض بنص القرآن الكريم، فهل درى ذلك من روى أو رأى جواز القتال دون دعوة إلى الإسلام، وبالتالي جواز أخذ الناس على غرة؟ .

2 - الإنسان صانع مستقبله

ولأدخل في الموضوع الذي أُريده..في سورتي الشمس والليل نقرأُ هذه الآيات:  (وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا(8) قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا(9) وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:7-10)

(فَأَمَّاَ مَن أَعطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالحُسنَى(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى(10) وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىَ) (الليل:5-11)

السياق في السورتين الكريمتين صارخ في إظهار الجهد البشري، صارخ في أن الإنسان صانع مستقبله!.

السياق مبين كل الإبانة عن كسب الإنسان واكتسابه، وأنه هو لا غيره الذي يغرس ويجني ما غرس.

ويتجه –دون شائبة إكراه- إلى ما يبغي، ولا يخرج هذا عن قدر الله الذي علم بفعله من الأزل..

ولكن بعض المحدثين يذكرون من مروياتهم هنا لتقتل هذا السياق قتلا، وتجعل المرء مقهورًا مجبورًا مغلوبًا على أمره لا حيلة له ولا عزم..

من السياق القرآني نقول في جزم: إن من زكى نفسه وكبح هواه فقد أفلح..لا مرية في ذلك، وإن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فهو إلى خير يقينًا لا شك في ذلك..

وزلزلة هذه الروابط بين السبب والنتيجة مرفوض في دين الله، بل هو جريمة نفسية واجتماعية..

ولا يجوز تأويل الآيات البينات لتوافق ما روى من أخبار الآحاد، بل الواجب أن تؤول أخبار الآحاد لتستقيم مع الآيات، ولتنسجم مع العقل والنقل.

إن الفرع يمال به إلى الأصل لا العكس..

وإذا كان لبعض الناس ذاكرة جيدة، وليس لهم بصيرة نيّرة، فعليهم تسليم محفوظاتهم إلى الفقهاء لينزلوها في مكانها الصحيح..

وهذا هو السر في نعيي على نفر من علماء السنة أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة الحديث، وبقوا سطحيين في فهم القرآن الكريم.

3 – وهم المحدثين

وبهذه السطحية رووا ما نعده وهمًا في إدراك المقصود، مثل وهم "نافع" مولى ابن عمر في قضية الغارة على العدو دون دعوة..

ومن هذا القبيل ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول الله إلاَّ أن تخبرنا..! فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا..

فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه..؟

فقال: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلْ..

وَإِنَّ صَاحِبَ النَّار يُخْتَتمُ لَهُ بِعَمَلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِل أَيَّ عَمَلٍ".

والعبارات الأخيرة هي التي نريد التعقيب عليها، فهي في نظرنا من أوهام الراوي، ومخالفتها للكتاب والسنن الصحاح ظاهرة.

فإن التيسير لليسرى يتم لمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى ولا يتم لمن عمل أي عمل..وكذلك التيسير للعسرى يتم لمن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ولا يتصور البتة أن يكون ختام امرئ مخلص لربه مستغفر من ذنبه..!

وتوهين راوٍ خالف النقل الثابت والعدل السائغ هو مسلك أئمة السنة.

فتعريف الحديث الصحيح بعد اتصال السند بالثقات، أن يكون خاليًا من الشذوذ والعلة القادحة.

وأي شذوذ أشد من مخالفة الآي، وأي قادح أقوى من مصادمة العدل؟.

أما صدر هذا الأثر فهو تصوير للعلم الإلهي،وما تضمن في سجلاته مما كان ويكون أزلا وأبدًا..وهذا ما لا شك فيه.

على أن علاقة العلم الإلهي بأعمال الناس علاقة انكشاف وإحاطة، وليست علاقة سلب وإيجاب، أَو إيجاد وإعداد أو ضغط وإكراه..

وعلماء الأُمة متفقون على أن خبر الآحاد مردود إذا ما خالف المتواتر، وبديهي أن يتلاشى الظن أمام اليقين..

ويشاء الله أن نرى مثالا لذلك في سورة الليل ذاتها...

- خبر الواحد تتلاشى صحته بمخالفته المتواتر

- قال القرطبي وهو يفسر قوله تعالى: (وَمَا خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثَى)- روى عن ابن مسعود أنه كان يقرأُ: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرَ والأُنْثَى) ويسقط (وَمَا خَلَقَ) وفي صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام فأتانا أبوالدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأُ علي قراءة عبدالله الله؟ فقلت نعم أنا..قال: فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) قال: سمعته يقرأُ:

(وَالَّيلِ إِذَا يَغشَى(1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى) قال: وأنا الله هكذا سمعت رسول اللهr يقرؤُها! ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأَ: (وَمَا خَلَقَ) فلا أُتابعهم!!

قال ابن العربي في كتابه الأحكام: هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه ما في المصحف، فلا تجوز لأحد مخالفته..فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد وإن كان عدلا،وإنما يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم، وينقطع معه العذر، وتقوم به الحجة على الخلق.

ويعقب القرطبي على حديث أبي الدرداء السابق برفضه وضرورة الأخذ برواية الجماعة وإبطال نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان والإغفال..!!

والواقع أن خبر الواحد تتلاشى صحته عندما يخالف المتواتر. والمسلمون على هذه القاعدة.

بيد أن ناسًا خفاف الفقه يرون أو يروون ما يخالف المقطوع به، وينتظرون أن نستمع إليهم!

ومن المقطوع به أن الله –تبارك وتعالى- لا يُزِلُّ قدم عابد أخلص له لأنه يريد إيذاءه وسبق بذلك قضاؤه.

ولا يقبل مجون فاجرٍ تمرد عليه لأنه يريد إدخاله الجنة وسبق بذلك علمه!!

- ويستحيل شرعًا أن يسوى بين مؤمن وكافر، كما يستحيل شرعًا أن يدخل المؤمنين النار ويدخل الكفار الجنة..

وفي طبيعة الجزاء الأعلى يقول الله تعالى: (أَفَنَجعَلُ المُسلِمِينَ كَالمُجرِمِينَ(35) مَالَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ) (القلم:35-36)

ويقول:
(أَم حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُو اْلسَّيَِّئَات أَن نَّجعَلَهُم كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَاءَ مَا يَحكُمُونَ) (الجاثية:21)

ومع ذلك، فإن البعض يريد أَن يثير الخلل في هذه الموازين قائلا: إن الله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يتصرف في ملكوته كيف يشاء!

وهذا حق أُريد به باطل. وهو ينطوي على جهل بأمجاد الألوهية وبأسماء الله الحسنى، وما يقول ذلك من يعرف أن الله هو الحميد المجيد الحكيم الرحيم العدل المقسط..إنه قادر واسع القدرة، وفي الكتاب العزيز: (قُل فَمَن يَملِكُ مِنَ اللهِ شَيئًا إِن أَرَادَ أَن يُهلِكَ المَسِيحَ ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ,وَمَن فيِ الأَرضِ جَميِعًا) (المائدة:17)

بداهة لا أحد يملك شيئًا لو أراد مالك الملك أن يهدمه على رؤوس الأنبياء والملائكة..ولكنه –عز وجل- ما أهلك نبيًا لا ملكًا وإنما أهلك الكفرة الفجرة وحدهم..

وعندما نفهم أنه يرد التائبين،ويقبل الفاسقين لأنه لا يسأل عما يفعل فنحن نعبث بالدين كله، وننسب إلى الرحمن الرحيم ما لا يليق به..

5 - العلم الإلهى لا يعنى الجبر

- وهنا يرد الحديث المشهور عن سبق الكتاب وأثره في مصادر العباد..والمعنى الصحيح لهذا الحديث يحتاج إلى بيان، ونرى أن نضرب مثلا بين يدي المعنى المراد..

قد ينظر المدرس إلى طلابه نظرة فاحصة، ثم يصدر أحكامًا عليهم حسب ما يرى من ذكائهم وجهدهم، ويذكر أحكامه هذه لصديق له قد يرى في مظاهر الطلاب ما يغاير ذلك..

ويجيء الامتحان النهائي وتظهر النتيجة، ويسأل أستاذ الفصل صديقه عن أحوال الطلاب فيقول له هذا الصديق: لم يفلتوا من حكمك أو نفذ فيهم رأيك..!! سقط من قدرت سقوطه ونجح من قدرت نجاحه!!.

هل معنى هذه العبارات أن علم الأستاذ بخبايا الطلاب الفكرية والخلقية هو الذي أحدث ما حدث؟ العبارات كلها مجازية، والجهد الدراسي وحده هو الذي أَسقط من سقط، وأنجح من نجح..!

على ضوء هذا المثال ندرك أن العلم المكتوب لا يعني الجبر الإلهي، وأن عبارة "سبق الكتاب" لا تفيد إلا التنويه باستحالة تخلف هذا العلم لكماله لا لشيء آخر..

ولو أن حديث سبق الكتاب لا يفيد إلا الجبر لرددناه –وإن صح- لأن خبر الواحد لا يعترض يقينًا عقليا أو نقليا..

قال صديق: إن المعنى الذي قررته يخفى على كثيرين!

قلت: وينبغي عدم ذكر هذا الحديث للناس إلا مقرونًا بمعناه الحق..

فليس كل حديث يروى وإن صح إذا كان سيعقب فوضى في سلوك العامة!

- إن النبي (صلى الله عليه و سلم) عرف معاذ بن جبل أن حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قلت: يَا رَسُولَ الله أَفلا أُبشر الناس؟ قال: "لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا" رواه مسلم.

وقد استجاب رسول الله لرأْي عمر بن الخطاب في منع أبي هريرة من التحدث بمثل هذا قائلا: "يَا رَسُولَ الله أَخْشَى أَن يَتَّكِلَ النَّاس عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ: فَخَلِّهِمْ..!!".

وورد عن علي بن أبي طالب: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يطيقُونَ. أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ" رواه مسلم. وكذلك قال: "إِنَّكَ مَا حَدَّثْتَ قَوْمًا بِحَديِثٍ لَمْ تَبْلُغْهُ عُقُلُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً".

ويؤسفني أن حديث سبق الكتاب يذكر الآن في بعض المواعظ والدروس الدينية، دون التأويل الواجب، وأن ناقليه يسهمون في إشاعة عقيدة الجبر واليأس من قيمة العمل والاتكال على حظوظ غائبة وغيوب مبهمة..

وعلماؤنا يرون أن خبر الواحد لا يرده المتواتر وحسب، بل يرده الأرجح!.

سُئل ابن عباس: أَكانَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه و سلم) يقرأُ –أي السورة- فيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فَقَالَ: لاَ! فَقِيل لَهُ: لَعَلّهُ كَانَ يَقْرَأُ فيِ نَفْسِه! خَمْشًا، هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى..إلخ.

والمعروف أَن القراءة في الأُوليين تدور بين الوجوب والندب عند الجمهور!

وكلام بن عباس هنا لم يؤخذ به، مع قيام سنده! ومع جلالة قدر ابن عباس، فهو على أية حال ليس بمعصوم، والحق في خلافه، وما زلنا نؤكد أن خبر الآحاد لا يفيد إلا العلم الظني، ولا مدخل له في إنشاء العقائد..

6 - العلم الإلهى لايلغى الإرادة

- ونلفت النظر بعد ذلك البحث إلى أُمور أولها: أن نفرًا من ذوي القصور العقلي ظنوا أن الله – سبحانه- لا يعلم ما يكون حتى يقع، وجاءهم هذا الظن الضال من أخذهم لظاهر قوله تعالى: (وَتِلكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ وَليِعلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَدَاءَ..) (آل عمران:140)

وقوله:
(وَمَا أَصَابَكُم يَومَ التَقَى الجَمعَانِ فَبِإذنِ اللهِ وَلِيَعلَمَ المؤُمِنِينَ(166) وَلِيَعلَمَ الَّذيِنَ نَافَقُواْ..) (آل عمران:166-167)

وهذا ضلال بعيد، فإن المعنى انكشاف العلم القديم، ووقوع الأحداث على النحو الذي تتم به محاكمة هؤلاء في الدنيا والآخرة، فالقاضي لا يحكم بعلمه، ومهما كانت خبرة الأستاذ بتلامذته فلا نجاح ولا رسوب إلا بامتحان يظهر الخبايا..

وعلم الله بكونه ليس معجزًا ولا مضنيًا، ألا يعلم من خلق؟

إن الأمس واليوم والغد صفحة واحدة أمام شهود لا يغيب، وعلم لا يضل ولا ينسى..ومن هنا قال المفسرون: (كُلَّ يَومْ هو فيِ شَأنٍ) (الرحمن:29) شئون يبديها ولا يبتديها..!

الأمر الثاني: ما يكلف العباد به لا تلغي إرادتهم بإزائه! فحريتهم النفسية والفكرية قائمة وعلى أساسها تتم محاسبتهم!

وإذا حدث –لأمر ما- أن صودرت هذه الحرية فإن التكليف الأعلى يقل بنسبة ما يصادر!

ويمتنع عقلا وشرعًا أن يؤاخذ الله عبدًا ليس له كسب أو اكتساب..

وكل أثر يفيد أن الجنة والنار مصادفات، وأن الناس يقادون إلى مصايرهم وفق مخطط لا دخل لهم فيه، فهو مرفوض!.

إن النصوص القطعية والقواعد الثابتة تأبى ذلك كل الإباء..

- الأمر الأخير..يعلم الناس، مؤمنهم وكافرهم، أن الأعمال التي يحسونها قسمان: إرادية وغير إرادية، قد أدخل البيت أو أخرج منه بمشيئتي، وقد أرفع يدي أو أخفضها بمشيئتي..

ولكن أين مشيئتي في حركتي الزفير والشهيق، في دقات قلبي وأنا نائم أو يقظان؟

بل أين مشيئتي في ميلادي ووفاتي، وتيارات الحياة التي تتقاذفني كما تتقاذف الأمواج زورقًا خفيفًا؟

وأين مشيئتي في قدراتي المادية والأدبية التي زودني الله بها وانفرد بتحديد كمها وكيفها..؟

إن غددًا معينة –لا سلطان لي على إفرازها- قد تسبب الخوف أو الجرأة أو العفة أو الجماح..!

وقد يكون اللقاء برجل ما سببًا في رفعة أو هبوط، وهذا اللقاء لا سلطان لي على تقريبه أو تبعيده..!

تلك كلها "جبريات" يعرفها المؤمنون والكافرون على سواءٍ، وتحديد وضع المرء معها مضبوط عند من لا تخفى عليه خافية، ومن يحسب مثقال الذرة في موازين الجزاء..

وأحسب أن ذلك كله من وراء التعبير المطرد في الكتاب العزيز:

(يَغفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) (آل عمران 129) فالمشيئة هنا لا تعني الفوضى كما يتصور الجهلة، وإنما تعني أن الله وحده هو الخبير بخلقه، العليم بحساب المعوّقات والمنشطات في حياتهم على ظهر الأرض إلى يوم يلقونه...

ونعود إلى ما بدأنا به، على الدعاة أن يدرسوا كتاب الله وسنة رسوله ببصر مفتوح، وأن يعرفوا علاقة النصوص بعضها ببعض..

إن البناء الإسلامي شامخ، ومن المضحك أن يجيء أحدهم بهيكل نافذة ليضعه في فتحة باب أو ليضعه في كوة جانبية..لابد من فقه، لابد من ذوق، وإلا حرّفنا الكلام عن مواضعه وأسأنا قيادة المجتمع باسم الله..

مستقبل الأمة رهن بوفائها لدينها… من أزمة الهوية إلى استعادة النهضة

مستقبل الأمة رهن بوفائها لدينها… من أزمة الهوية إلى استعادة النهضة

قراءة في تراجع الأمة الإسلامية، وأزمة هويتها، وشروط استعادة رسالتها الحضارية


أولًا: من سقوط الخلافة إلى أزمة الهوية

هل كان المسلمون، مع مطلع القرن العشرين، يدركون حجم الرسالة التي يحملونها، والمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم؟

لقد كانت الخلافة العثمانية تعاني أزمات سياسية وعسكرية عميقة، وكانت الأمة الإسلامية تواجه تحديات داخلية وخارجية متراكمة. ولم يكن سقوط الخلافة سنة 1924م مجرد تحول في شكل الحكم، بل مثّل، في نظر كثير من المسلمين، نهاية مرحلة تاريخية وبداية واقع جديد من التفرق والضعف.

غير أن الأزمة لم تكن سياسية وحدها؛ فقد كانت الأمة تعاني كذلك اضطرابًا في الوعي برسالتها، وتراجعًا في الثقة بتراثها، وانقسامًا في رؤيتها لمستقبلها.

لقد كانت الرسالة الإسلامية، بما حملته من توحيد الله، وإقامة العدل، وتزكية النفوس، وبناء الإنسان، مصدرًا من مصادر القوة الحضارية للأمة. لكن هذه الرسالة لم تسلم من مظاهر الانحراف والجمود والخرافة والتعصب، كما لم تنجح مجتمعات المسلمين دائمًا في تحويل مبادئها إلى واقع يليق بها.

وجاء إلغاء الخلافة على يد مصطفى كمال أتاتورك ليعمّق التحول السياسي، فيما أخذت الدول الحديثة تتشكل على أسس وطنية وقومية مختلفة، وتراجعت الوحدة السياسية التي كانت تجمع أجزاء واسعة من العالم الإسلامي.

وهكذا وجدت الأمة نفسها أمام سؤال مصيري: كيف تحافظ على هويتها ورسالتها في عالم يتغير بسرعة، من غير أن تنعزل عن واقعها أو تفقد مقومات شخصيتها؟

ثانيًا: حين يصبح الدين هدفًا للصراع الفكري والسياسي

لم تتوقف التحولات عند حدود السياسة؛ فقد امتدت إلى التشريع والتعليم والثقافة واللغة والتاريخ.

وفي عدد من البلدان الإسلامية، حلت قوانين مستمدة من النماذج الغربية محل أجزاء من التشريعات الإسلامية، بينما بقيت أحكام أخرى، ولا سيما في مجال الأسرة، موضع نقاش وتغيير متواصلين.

ولم يكن هذا التحول واحدًا في جميع البلدان، ولا جرى بالطريقة نفسها، لكنه أثار سؤالًا جوهريًا عن موقع الشريعة في حياة المسلمين، وعن العلاقة بين المرجعية الدينية ومؤسسات الدولة الحديثة.

كما شهد العالم الإسلامي صراعات فكرية حول العقيدة والتراث، وحول دور الدين في المجال العام، وحول حدود الاقتباس من التجارب الحضارية الأخرى.

ومن هنا تنشأ ضرورة التمييز بين الاستفادة من منجزات الآخرين، وهي أمر لا يتعارض في ذاته مع الإسلام، وبين الذوبان الذي يجعل الأمة تتخلى عن أصولها لمجرد أن النموذج الوافد أكثر قوة أو نفوذًا.

فليست كل فكرة وافدة خطرًا، كما أن كل ما ورثناه ليس بالضرورة صحيحًا أو صالحًا من دون مراجعة؛ وإنما الميزان هو العلم والعدل، والقدرة على التمييز بين الثابت والاجتهادي، وبين ما ينفع الأمة وما يضعفها.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد وجود ثقافات أخرى، بل في أن تفقد الأمة قدرتها على التفكير المستقل، فتستورد تصوراتها عن نفسها ومستقبلها، بدلًا من أن تنطلق من هويتها واحتياجاتها ومبادئها.

ثالثًا: بين الحوار الديني والتنازل عن العقيدة

تُطرح بين الحين والآخر دعوات إلى التقارب بين أتباع الأديان، وإقامة المؤتمرات المشتركة، وتعزيز القيم الإنسانية الجامعة.

والأصل أن الحوار والتعارف والتعاون على الخير أمور لا تستلزم من المسلم التخلي عن عقيدته، ولا من غيره التخلي عن معتقده.

لكن الإشكال يبدأ حين يتحول الحوار إلى مطالبة بإلغاء الفوارق العقدية، أو حين يُفهم التسامح على أنه مساواة بين جميع المعتقدات في مضمونها الديني، أو حين تُستغل لغة التعايش لتبرير ظلم سياسي أو انتهاك لحقوق شعب من الشعوب.

فليس من التناقض أن يتمسك المسلم بتوحيد الله، وأن يعامل غير المسلم بالعدل والإحسان، وأن يحفظ له حقوقه، وأن يرفض الاعتداء عليه.

كما أن نقد السياسات الاستعمارية أو الاحتلال أو توظيف الدين لخدمة المصالح السياسية ينبغي أن يستند إلى الوقائع والمواقف المحددة، لا إلى التعميم على أتباع دين كامل.

إن ثبات العقيدة لا يقتضي العداوة، والتعايش لا يقتضي الذوبان، والاختلاف الديني لا يسقط حقوق الإنسان في العدل والكرامة والأمن.

وهذا هو الفارق بين حوار يحترم الخصوصيات، وخطاب يريد إلغاءها، وبين سلام يقوم على العدل، وسلام يُطلب من المظلوم فيه أن يتنازل عن حقوقه.

رابعًا: تحت راية التوحيد نحيا

إن المسلم يعبد الله الواحد الأحد، ويؤمن بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله وخاتم أنبيائه، وأن القرآن الكريم كتاب هداية وتشريع، وأن السنة النبوية بيان للدين ومصدر من مصادره.

وهذه الحقائق ليست تفاصيل هامشية في شخصيته، بل هي أساس رؤيته للوجود والحياة والإنسان.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.

ومن حق المسلم أن يعتز بعقيدته، وأن يدعو إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، من غير إكراه ولا اعتداء، ومن غير أن يجعل الاختلاف الديني مبررًا لظلم الآخرين.

فالإنسانية لا تعني أن يتخلى الناس عن معتقداتهم حتى يجتمعوا، وإنما تعني أن يستطيعوا العيش المشترك في ظل العدل والاحترام المتبادل، مع احتفاظ كل طرف بحقه في الاعتقاد والتعبير.

والمسلم الذي يعتز بدينه ليس مطالبًا بأن يتنازل عن توحيده حتى يكون متسامحًا، كما أنه ليس مخيرًا بين الوفاء لعقيدته والوفاء للعدل؛ فالدين الذي يؤمن به يأمره بالعدل والإحسان، وينهاه عن الظلم والعدوان.

نحن نتمسك بعقيدتنا لا لنعتدي على أحد، بل لنحيا وفق ما نؤمن به، وندعو إلى الخير، ونقيم العدل، ونحفظ للناس حقوقهم.

خامسًا: الإسلام رسالة سماوية، وليس مجرد حركة قومية

من الأخطاء الفكرية اختزال الإسلام في كونه نهضة عربية أو مشروعًا قوميًّا، مع إغفال طبيعته الدينية العالمية.

فصحيح أن القرآن نزل باللغة العربية، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم عربي، وأن للعرب دورًا تاريخيًا مهمًا في حمل الرسالة، لكن الإسلام لم يُبعث لقومية بعينها، ولم يجعل العرق أو النسب أساس التفاضل بين الناس.

إنه رسالة تتجاوز الحدود القومية، وتخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، وتربط كرامته بمبادئ الإيمان والعمل الصالح، لا بمجرد انتمائه إلى قوم أو أرض.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فمكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند المسلمين لا تقوم على عبقريته البشرية وحدها، على جلالة قدره، وإنما تقوم أساسًا على كونه رسولًا اصطفاه الله لحمل رسالته.

ولهذا لا يصح فصل الإسلام عن الوحي الذي جاء به النبي، ولا اختزال دعوته في إنجاز تاريخي أو قومي، مهما كان عظيمًا.

وفي الوقت نفسه، فإن الاعتزاز بالإسلام لا يتعارض مع حب الوطن، ولا مع الانتماء إلى القومية أو اللغة أو الثقافة؛ فهذه دوائر انتماء يمكن أن تتكامل ما دامت لا تتحول إلى عصبية تبرر الظلم أو تناقض المبادئ الدينية.

سادسًا: البدائل المستوردة وأزمة الانتماء

شهد العالم الإسلامي، خلال القرنين الأخيرين، صراعًا بين تصورات مختلفة للهوية والانتماء: أهي هوية دينية، أم وطنية، أم قومية، أم مزيج من هذه الدوائر؟

وقد ظهرت اتجاهات جعلت الولاء للوطن أو العرق أساسًا للهوية السياسية، واتجاهات أخرى رأت أن الدين ينبغي أن ينحسر عن المجال العام، فيما حاولت تيارات مختلفة الجمع بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.

ولا يصح اختزال هذه التجارب كلها في مؤامرة واحدة؛ فهي متعددة في أسبابها وأهدافها ونتائجها. لكن من المشروع نقد كل اتجاه يجعل الانتماء الوطني أو القومي ذريعة لإقصاء الدين، أو يجعل القوة السياسية معيارًا وحيدًا للحقيقة والتقدم.

فحب الوطن لا يناقض الإيمان، والاعتزاز باللغة لا يناقض الانتماء الإسلامي، والاستفادة من التجارب الإنسانية لا تعني التخلي عن الهوية.

المشكلة تبدأ حين يتحول أحد هذه الانتماءات إلى بديل يلغي سائر الانتماءات، أو حين تُستعمل شعارات الحداثة والوطنية لتبرير الاستبداد والتمييز، أو تُرفع الشعارات الدينية لتغطية الفساد والظلم.

إن الأمة التي تريد مستقبلًا أفضل تحتاج إلى هوية واثقة، لكنها تحتاج أيضًا إلى عقل ناقد، ومؤسسات عادلة، وعلم نافع، وقدرة على الاستفادة من خبرات الآخرين دون فقدان استقلالها الفكري.

سابعًا: أين يكمن الخطر الحقيقي؟

إن الخطر الأكبر لا يتمثل في شدة التحديات الخارجية وحدها، بل في ضعف الاستجابة لها، وفي عجز الأمة عن بناء دفاع فكري وعلمي وأخلاقي متماسك.

فقد تمتلك الأمة عددًا كبيرًا من الشعارات، لكنها تظل ضعيفة إذا تراجع فيها التعليم، وغابت العدالة، وانتشر الفساد، وضاعت الكفاءات، وأصبح الولاء الشخصي أقوى من الكفاءة، والمصلحة الخاصة أسبق من المصلحة العامة.

وقد ترفع المجتمعات رايات الدين، لكنها لا تحقق مقاصده إذا غاب عنها الصدق والأمانة والإنصاف واحترام الحقوق.

ومن هنا فإن الوفاء للإسلام لا ينبغي أن يُقاس بمجرد الشعارات أو المظاهر، وإنما بما يتركه الإيمان من أثر في حياة الفرد والمجتمع: علمًا، وعدلًا، وأمانة، وإحسانًا، ومسؤولية.

إن تاريخ المسلمين نفسه يقدم درسًا واضحًا: لم تتحقق مراحل الازدهار بمجرد الانتساب إلى الإسلام، بل ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بحضور العلم والاجتهاد، وبناء المؤسسات، وتنشيط التجارة، ورعاية المعرفة، وإقامة العدل.

وحين تتراجع هذه المعاني، لا يكفي أن نتغنى بأمجاد الماضي، ولا أن نلقي مسؤولية إخفاقاتنا كلها على الآخرين.

فالاعتراف بأخطاء الداخل ليس خيانة للهوية، بل خطوة ضرورية لإصلاحها، ومواجهة الظلم الخارجي لا تعفينا من واجب إصلاح الظلم الداخلي.

ثامنًا: الوفاء للدين مسؤولية لا شعار

إن الانتماء إلى الإسلام ليس مجرد اسم يُحمل، أو تراث يُفتخر به، أو تاريخ يُستعاد في المناسبات؛ إنه مسؤولية تقتضي أن نرتقي إلى مستوى القيم التي ندّعي الإيمان بها.

فإذا أردنا استعادة مكانتنا، فعلينا أن نجعل العلم أساسًا لنهضتنا، والعدل ميزانًا لعلاقاتنا، والأمانة قاعدة لإدارتنا، والعمل طريقًا لتحقيق أهدافنا.

وعلى الحكومات أن تحترم حقوق شعوبها، وأن تقيم العدل، وأن تفتح أبواب المعرفة والإبداع، وعلى العلماء أن يؤدوا رسالتهم بأمانة، وعلى المؤسسات التعليمية أن تصنع العقول القادرة على التفكير والإنتاج، وعلى الأفراد أن يربطوا إيمانهم بالسلوك والمسؤولية.

كما أن الاعتزاز بالتراث لا يعني تقديس كل ما وقع في التاريخ، بل يعني قراءته قراءة واعية، نأخذ منها أسباب النجاح، ونتعلم من الإخفاقات، ونميز بين مبادئ الدين واجتهادات البشر.

لقد كان العلم والعدل والعمل من أهم أسباب قوة المسلمين في مراحل ازدهارهم، وهي معانٍ لا تفقد قيمتها بتغير الأزمنة والظروف.

وإذا أردنا مستقبلًا يليق بأمتنا، فلا بد أن ننتقل من مجرد الحنين إلى الماضي إلى بناء الحاضر، ومن ترديد الشعارات إلى تحقيق مقاصدها، ومن لوم الآخرين وحدهم إلى مراجعة الذات وإصلاحها.


الخاتمة: مستقبلنا يبدأ من هنا

إن مستقبل الأمة الإسلامية ليس قدرًا محتومًا بالضعف، ولا وعدًا يتحقق بمجرد الانتساب إلى الإسلام؛ بل هو مسؤولية ترتبط بما نفعله اليوم، وبقدرتنا على الجمع بين الوفاء للدين، وفهم الواقع، والأخذ بأسباب القوة، وإقامة العدل.

لن تستعيد الأمة مكانتها بالتخلي عن هويتها، كما لن تستعيدها بمجرد التشبث بالشعارات أو استحضار أمجاد الماضي.

إنها تحتاج إلى إيمان واعٍ، وعلم راسخ، وعمل جاد، ومؤسسات نزيهة، وعدالة تحفظ الحقوق، وثقة بالنفس لا تتحول إلى غرور، وانفتاح على العالم لا ينتهي إلى الذوبان فيه.

فالوفاء للدين ليس انكفاءً عن الحياة، بل التزامٌ بقيم الحق والعدل والإحسان؛ وليس هروبًا من تحديات العصر، بل استعدادٌ لمواجهتها بعقل مؤمن، وعلم نافع، وعمل مسؤول.

وإذا أردنا أن يكون لنا مستقبل يليق بتاريخنا ورسالتنا، فعلينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، وأن نجعل من ديننا مصدرًا للهداية والبناء، لا مجرد شعار نرفعه عند الأزمات.

فالأمم لا تنهض بما تتغنى به من أمجاد، وإنما بما تحوّله من مبادئ إلى واقع، ومن إيمان إلى عمل، ومن هوية إلى رسالة حضارية حية.

مستقبلنا رهن بوفائنا لديننا… وصدق وفائنا يظهر في علمنا وعدلنا وعملنا.