الجمعة، 30 أكتوبر 2026

لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!

 


لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!

الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى مزيد من القيود والتشدد، بقدر ما تحتاج إلى مسلمٍ يحسن فهم دينه، ويجسّد أخلاقه، ويقدّم للناس صورته الحقيقية المشرقة.

ليست الدعوة إلى الإسلام مجرد كلمات تُقال، أو شعارات تُرفع، أو مظاهر خارجية يُحرص على إظهارها؛ وإنما هي رسالة متكاملة، قوامها العلم الصحيح، والفهم السليم، والخلق الحسن، والحكمة في التعامل مع الناس، والقدرة على تقديم الإسلام في صورته التي أرادها الله: دين هداية ورحمة وعدل وإصلاح.

ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: أيُّ صورة نقدمها عن الإسلام؟ وهل تعكس تصرفاتنا وأخلاقنا وطريقة تفكيرنا حقيقة هذا الدين، أم أننا نسيء إليه من حيث نظن أننا ندافع عنه؟

أولًا: المسلم سفيرٌ لدينه بسلوكه قبل كلامه

لقد أصبح المسلمون يعيشون في مختلف أنحاء العالم، وتتنوع أسباب انتقالهم إلى البلدان الغربية؛ فمنهم من يطلب الرزق، ومنهم من يفر من الحروب والاضطرابات، ومنهم من يسعى إلى العلم، أو يطلب فرصًا للعمل والاستقرار، ومنهم من يقصد السياحة والمتعة.

وفي المجتمعات التي انتقل إليها هؤلاء فرص واسعة للتعارف والحوار والتعريف بالإسلام، ولا سيما في ظل ما تتيحه كثير من تلك المجتمعات من حرية الاعتقاد والتعبير وممارسة الشعائر.

لكن السؤال المهم: هل أحسن المسلمون استثمار هذه الفرص؟

إن الحرية المتاحة لا تكفي وحدها لصناعة دعوة ناجحة، ولا يكفي أن يكون المسلم حاضرًا بجسده حتى يكون حاضرًا برسالته؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يتشرب حقيقة دينه، ولم تتربَّ نفسه على أخلاقه وقيمه، فكيف يقدم للآخرين نموذجًا مقنعًا عنه؟

إن الصورة التي تتكون لدى الناس عن الإسلام لا تتشكل من الكتب والخطب وحدها، بل تتأثر أيضًا بما يشاهدونه من سلوك المسلمين وتصرفاتهم.

ومما يؤسف له أن بعض التصرفات قد أساءت إلى هذه الصورة إساءة بالغة؛ فحين يرى الناس بعض أصحاب الأموال من المسلمين ينفقون بسخاء على اللهو المحرم والملذات، بينما يعيش إخوانهم في مجتمعات أخرى تحت وطأة الفقر والجوع والمرض، فإنهم يتساءلون عن حقيقة التكافل والرحمة والتراحم التي يتحدث عنها الإسلام.

وحين تتناقض الشعارات الدينية مع واقع أصحابها، وتغيب الأمانة والعدل والرحمة، وتظهر صور الإسراف والفساد والاستغلال، فإن الضرر لا يقف عند أصحاب تلك التصرفات، بل قد يمتد إلى صورة الدين الذي ينتسبون إليه.

فليس من العدل أن نحاكم الإسلام بأخطاء المسلمين، ولكن ليس من الحكمة أيضًا أن نتجاهل أثر أخطاء المسلمين في تشويه صورة الإسلام.

ثانيًا: ليست العبرة بالمظهر وحده، وإنما بحقيقة الإنسان

لا شك أن للهيئة الظاهرة والهدي النبوي مكانتهما في حياة المسلم، لكن الخلل يبدأ حين تتحول بعض المظاهر إلى معيار وحيد للحكم على التدين، ويُختزل الدين كله في تفاصيل اللباس والشعر والهيئات.

فقد ترى من يبالغ في العناية بشكل ظاهري معين، ويظن أنه بذلك قد استكمل حقيقة الاتباع، بينما لا يجد في نفسه المساحة الكافية للاهتمام بإصلاح أخلاقه، وتزكية قلبه، وتنمية عقله، وحسن تعامله مع الناس.

وقد ينشغل بعضهم بتفاصيل الهيئة إلى درجة تجعله يراقب مظاهر الآخرين، ويصنفهم على أساسها، ويغفل عن واجبات أعظم تتعلق بالصدق والأمانة والعدل والرحمة والإحسان.

وليس المقصود التقليل من شأن السنن والآداب الظاهرة، وإنما المقصود وضع كل شيء في موضعه، وعدم جعل بعض الجزئيات عنوانًا للدين كله.

فالسنة ليست تسريحة شعر، ولا لون ثوب، ولا هيئة جامدة يُمتحن بها الناس؛ وإنما هي هدي نبوي متكامل، يشمل الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملة.

وما قيمة أن يحرص الإنسان على صورة خارجية معينة، ثم يكون فظًّا في تعامله، ضيق الأفق في تفكيره، سيئ الظن بالآخرين، سريع الاتهام والتبديع، قليل الحلم والإنصاف؟

إن المطلوب هو المسلم الذي يجمع بين ظاهر صالح وباطن مستقيم، وبين العبادة والأخلاق، وبين سلامة الاعتقاد ونضج التفكير، وبين التمسك بالسنة وحسن تنزيلها على واقع الحياة.

ثالثًا: المشكلة حين تختلط الثوابت الشرعية بالاجتهادات البشرية

من أخطر ما أصاب الخطاب الديني في بعض البيئات المعاصرة الخلط بين ما ثبت بدليل شرعي ملزم، وبين ما قاله العلماء اجتهادًا، أو اختاره بعض الفقهاء فهمًا واستنباطًا.

إن القرآن الكريم أصل ديننا، والسنة النبوية مصدر هدايتنا وتشريعنا، ولا يجوز للمسلم أن يفرط في نص ثابت أو حكم شرعي لمجرد أن أهواء العصر لا توافقه.

لكن احترام النصوص لا يعني منح كل رأي فقهي أو اجتهاد بشري منزلة النص المعصوم.

فثمة فرق واضح بين الحكم القطعي الذي لا يسوغ إنكاره أو التلاعب به، وبين المسألة الاجتهادية التي تتعدد فيها أنظار العلماء، وتتفاوت فيها مداركهم، وتتباين فيها أدلتهم وطرق استنباطهم.

وفي المذاهب الفقهية آراء تقبل وأخرى ترد، واجتهادات يُرجح بعضها على بعض، ومسائل تتسع للخلاف المعتبر، وقد اختلف الأئمة المجتهدون في كثير منها، ولم يجعلوا اختلافهم سببًا للتباغض أو التنازع أو إسقاط مكانة بعضهم بعضًا.

ولم يدّعِ أولئك الأئمة العصمة لأنفسهم، ولم يطالبوا الناس بأن يجعلوا كل ما ذهبوا إليه دينًا لا يجوز مخالفته.

فكيف يأتي من بعدهم من يجعل رأيه أو فهمه الخاص بمنزلة النص الشرعي، ويطالب الناس بالتزامه، ويعامل المخالف له وكأنه خالف الوحي نفسه؟

إن احترام العلماء لا يكون بتقديس اجتهاداتهم، بل بمعرفة أقدارهم، وفهم مناهجهم، والانتفاع بعلمهم، مع الإقرار بأن العصمة للوحي، وأن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ.

فلا تجعلوا اجتهادات الرجال في مرتبة النصوص، ولا تجعلوا الخلاف الفقهي امتحانًا لصدق الإيمان واتباع السنة.

رابعًا: ليس كل جديد بدعة، وليس كل مستحدث محرّمًا

ومن مظاهر الخلل في بعض الخطابات الدينية التوسع في إطلاق أحكام البدعة والتحريم على أمور لمجرد أنها لم تكن موجودة بصورتها المعاصرة في زمن النبوة أو الخلافة الراشدة.

وهذا من الخلط بين مجال العبادات المحضة، الذي يُطلب فيه الاتباع والتوقيف، وبين شؤون الحياة والمعاملات والوسائل والتنظيمات التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والمصلحة.

فليس كل ما استجد في حياة الناس بدعة مذمومة، وليس كل وسيلة لم تكن معروفة في عصر النبوة ممنوعة شرعًا.

والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ما لم يقم دليل معتبر على المنع، كما أن الوسائل تأخذ أحكامها بالنظر إلى مقاصدها ونتائجها وضوابطها الشرعية.

ولهذا لا يصح أن نسمع سؤالًا عن تنظيم إداري أو نظام سياسي معاصر، ثم نسارع إلى الإجابة: هذا بدعة، وهذا حرام، دون بحث وتفصيل ونظر في الأدلة والمصالح والمفاسد.

فمثلًا، تحديد مدة تولي المسؤوليات العامة، ووضع آليات للمحاسبة وتداول السلطة، وتنظيم عمل المؤسسات، كلها مسائل تحتاج إلى دراسة شرعية وسياسية تراعي العدل والشورى والمصلحة العامة، ولا يصح تحريمها لمجرد أن صورتها الإدارية الحديثة لم تكن معروفة في العصور الأولى.

فإذا قررت المؤسسات المختصة، في إطار الشورى والمصلحة المعتبرة، تنظيمًا يحقق مصلحة عامة ولا يصادم نصًّا شرعيًّا، فلا يجوز رفضه بمجرد إطلاق كلمة البدعة عليه.

فالجِدّة الزمنية ليست دليلًا على التحريم، كما أن قِدَم الشيء وحده ليس دليلًا على مشروعيته.

خامسًا: اختلاف وسائل الإصلاح لا يعني اختلاف الأمة في دينها

ومن المسائل التي تحتاج إلى فهم متوازن مسألة تعدد الأحزاب والاتجاهات السياسية ووسائل العمل والإصلاح.

قد يختلف الناس في تقدير الوسائل المناسبة لتحقيق العدل، ومحاربة الفساد، ورفع مستوى التعليم، وتحقيق الاستقرار، وحماية المجتمع، وتقوية قدرة الأمة على الدفاع عن نفسها.

وهذا الاختلاف لا يعني بالضرورة اختلافهم في أصول الدين أو أهدافه الكبرى.

فكما عرف المسلمون تعدد المدارس الفقهية، وتنوع طرائق الاستنباط، واختلاف المجتهدين في الفروع، فإنهم قد يختلفون أيضًا في الوسائل الإدارية والسياسية والتنظيمية التي يرونها أصلح لتحقيق المصالح العامة.

ولا يعني هذا أن كل نظام حزبي أو سياسي صالح، أو أن كل ممارسة باسم التعددية مقبولة؛ فهناك فرق بين اختلاف وجهات النظر المنضبط، وبين التحزب الأعمى، والتعصب للجماعة، وتقديم المصالح الخاصة على مصلحة الأمة.

إن تعدد الآراء قد يكون وسيلة للإثراء والإصلاح، وقد يتحول إلى سبب للتمزق إذا غابت الأخلاق والعدالة وقواعد التنافس النزيه.

فالمشكلة ليست في مجرد اختلاف الوسائل، وإنما في تحويل الاختلاف إلى عداوة، وتحويل الجماعات إلى هويات مغلقة، واعتبار كل من خالفنا خصمًا يجب إسقاطه.

ومن الخطأ أيضًا رفض تجربة إنسانية نافعة لمجرد أنها نشأت في مجتمع غير مسلم؛ فالحكمة لا تُرفض بسبب موطنها، والعلم النافع لا يُرد لمجرد أن أصحابه ليسوا من المسلمين.

لقد استفاد المسلمون عبر تاريخهم من خبرات الأمم الأخرى في الطب والفلك والهندسة والإدارة وغيرها، ولم يكن ذلك تنازلًا عن هويتهم أو تفريطًا في دينهم.

والضابط في ذلك واضح: أن تُعرض التجارب والوسائل على المبادئ الشرعية والمصالح المعتبرة، فما وافقها وانتفع الناس به أُخذ، وما خالفها رُفض.

كما ينبغي فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» في موضعه، دون تحويله إلى ذريعة لتجاوز أحكام الشريعة، أو إلى حجة لإلغاء دور العلم والخبرة والاجتهاد.

سادسًا: لا تُثقِلوا الإسلام بما ليس منه

إن الإسلام يريد من المسلمين أن ينطلقوا برسالته الكبرى، وأن يقدموا للناس دينًا يجمع بين العقيدة الصحيحة والعبادة السليمة والأخلاق الرفيعة والعدل والرحمة والإصلاح.

لكن بعض الخطابات المتشددة تُضيف إلى هذه الأصول قوائم طويلة من الممنوعات والقيود، وتعرضها أحيانًا كما لو كانت من صلب العقيدة والثوابت التي لا يجوز الاختلاف فيها.

فتسمع من يضع مسائل مثل لبس الملابس الحديثة، أو كشف وجه المرأة، أو التصوير، أو الموسيقى، أو استخدام بعض أنواع العطور، أو ارتفاع المباني، أو ذهاب النساء إلى المساجد، في سلة واحدة من التحريم القطعي، مع أن هذه المسائل ليست في مرتبة واحدة، وفي كثير منها تفصيل وخلاف معروف بين أهل العلم.

ولا يصح أن نعرض المسائل الاجتهادية والخلافية على الناس وكأنها حقائق قطعية لا تقبل النقاش، أو أن نجعل اختيار قول فقهي معين جزءًا من حقيقة الإسلام التي لا يُتصور التدين إلا بها.

وقد يكون للقول الفقهي دليله ووجهته، وقد يكون الراجح فيه محل بحث ونظر، لكن ذلك كله لا يبرر تحويله إلى معيار وحيد لقياس إيمان الناس واستقامتهم.

والأشد خطورة أن تُزاحم هذه التفاصيلُ المقاصدَ الكبرى للدين، فتُقدَّم للناس قبل الحديث عن الصدق والأمانة والعدل والتراحم وحفظ الحقوق وإتقان العمل.

بل قد ينشأ جيل يحفظ قوائم الممنوعات أكثر مما يعرف مقاصد الشريعة، ويتقن تصنيف الآخرين أكثر مما يتقن نصحهم، ويشتد في مسائل الخلاف أكثر مما يشتد في مواجهة الظلم والفساد والتفريط في الواجبات.

وهنا تختل الأولويات، وتضيع موازين الفقه، ويصبح التدين عند بعض الناس مجموعة من القيود المتناثرة بدل أن يكون منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان وإصلاح الحياة.

إن الإسلام لا يحتاج إلى أن نضيف إلى أحكامه ما لم يوجبه الله، ولا إلى أن نضيّق على عباده فيما وسّع فيه الشرع.

سابعًا: اتباع السلف لا يعني تجميد الحياة ولا احتكار الفهم

وهنا ينبغي أن نتوجه إلى بعض المنتسبين إلى السلفية بخطاب أخوي صريح:

إن اتباع السلف الصالح شرف ومنهج معتبر، لكن هذا الانتساب لا يمنح أحدًا حق احتكار فهم الإسلام، ولا يجعل اجتهاداته الخاصة هي الفهم الوحيد الذي يجب على الأمة أن تلتزم به.

فالسلف الصالح لم يكونوا نسخة واحدة في اجتهاداتهم الفقهية، ولم يتعاملوا مع كل خلاف على أنه انحراف، ولم يجعلوا المسائل الاجتهادية أبوابًا للخصومة والهجر والتبديع.

وقد اختلف الصحابة والتابعون والأئمة في مسائل كثيرة، وبقيت بينهم أواصر الأخوة، وعرفوا أن اختلاف النظر في المسائل التي تحتمل الاجتهاد لا يساوي مخالفة النص القطعي.

أما أن يُختزل اتباع السلف في هيئة ظاهرة، أو مجموعة اختيارات فقهية، أو مواقف سياسية واجتماعية محددة، ثم يُمتحن المسلمون على أساسها، ويُصنفون بين سني ومبتدع، وبين سلفي وغير سلفي، فذلك يسيء إلى معنى الاتباع قبل أن يسيء إلى المخالفين.

ومن غير المقبول أن تتحول الغيرة على السنة إلى غلظة في التعامل، أو أن يصبح الدفاع عن منهج السلف مبررًا للطعن في العلماء والدعاة، وإثارة الخصومات، وتفريق الصفوف، وإشغال الأمة بمعارك جانبية لا تنتهي.

فليس كل من خالفك في اجتهاد فقهي عدوًّا للسنة، وليس كل من أخذ بقول عالم آخر مخالفًا لمنهج السلف، وليس من العلم أن تجعل رأيك الشخصي هو الميزان الذي تُوزن به عقائد الناس ومناهجهم.

إن كان اتباع السلف يعني التمسك بالوحي، وفهمه بفهم علمي راسخ، والإنصاف مع المخالف، والرحمة بالخلق، واحترام الاجتهاد المعتبر، فنحن جميعًا أحوج ما نكون إلى هذا الاتباع.

أما أن يتحول شعار اتباع السلف إلى وسيلة للتضييق والإقصاء وإشعال الخصومات، فليس ذلك مما تُعرف به سيرة السلف ولا أخلاقهم.

خاتمة: قدّموا الإسلام كما هو، لا كما تصنعه أهواؤكم واجتهاداتكم

إن العالم لا يحتاج إلى أن يرى المسلمين يختلفون في كل صغيرة وكبيرة، ويتخاصمون حول كل مسألة فرعية، ويتبادلون التهم والتصنيفات باسم الغيرة على الدين.

إنه يحتاج إلى أن يرى في المسلمين الصدق حين يتحدثون، والأمانة حين يتعاملون، والعدل حين يحكمون، والرحمة حين يختلفون، والإتقان حين يعملون، والإنصاف حين يناقشون.

ويحتاج إلى أن يرى دينًا يبني الإنسان، ويصون كرامته، ويهذب أخلاقه، ويحثه على العلم والعمل والإحسان، لا خطابًا يختزل الإسلام في قائمة من المظاهر والقيود والخصومات.

لسنا مطالبين بالتنازل عن ثوابت ديننا لإرضاء الآخرين، ولا بتغيير أحكام الشريعة حتى توافق أهواء العصر؛ لكننا مطالبون بأن نفهم ديننا فهمًا صحيحًا، وأن نميز بين أحكامه القطعية واجتهادات علمائنا، وبين غاياته الثابتة ووسائله المتغيرة، وأن نعرف متى يكون التشدد تمسكًا بالدليل، ومتى يكون تضييقًا لا يسنده دليل معتبر.

فلا تجعلوا السنة عنوانًا للغلظة، ولا تجعلوا اتباع السلف ذريعة لإقصاء المخالف، ولا تحولوا الخلاف الفقهي إلى معركة في العقيدة، ولا تُحمّلوا الإسلام أوزار ممارساتكم واجتهاداتكم.

إن أعظم خدمة نقدمها للإسلام أن نكون صورة صادقة عن هدايته، وأن ندعو إليه بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة، وأن نجمع بين الثبات على الحق والرحمة بالخلق.

فالدعوة التي تنفّر الناس بسوء عرضها تحتاج إلى مراجعة، والخطاب الذي يضيّق على الناس فيما وسّع فيه الشرع يحتاج إلى تصحيح، والانتساب إلى السنة لا يكتمل بمجرد رفع شعارها، بل بحسن فهمها والعمل بها.

فلا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف؛ فالسنة هداية ورحمة، واتباع السلف علمٌ وإنصاف، والدعوة إلى الله بناءٌ للقلوب والعقول، لا صناعةٌ للخصومات والإقصاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق