لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف!
رسالة إلى السلفية المدخلية: السنة أوسع من اختياراتكم، ومنهج السلف أكبر من تصنيفاتكم وخصوماتكم!
من أعظم الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها المنتسبون إلى الدعوة الإسلامية أن يتحولوا من دعاة يُحبِّبون الناس في الدين إلى أشخاص ينفّرونهم منه، ومن مصلحين يجمعون الكلمة إلى خصوم يوسّعون دوائر النزاع، ومن حَمَلة للعلم إلى حُرّاس على تصنيفات وولاءات لا تنتهي.
وهذه رسالة نوجّهها إلى بعض المنتسبين إلى التيار السلفي المدخلي، ممن غلب على خطابهم التشدد في مسائل الخلاف، والتوسع في الجرح والتبديع، والتضييق على المخالفين، حتى أصبحت بعض ممارساتهم سببًا في تنفير الناس من السنة التي يرفعون شعار الدفاع عنها.
فليس كل ما يُمارس باسم السنة من السنة، وليس كل ما يُقال باسم اتباع السلف تعبيرًا صحيحًا عن منهج السلف!
أولًا: أيُّ صورة تقدمونها عن الإسلام؟
إن المسلم لا يدعو إلى دينه بكلامه وحده، وإنما يدعو إليه أيضًا بأخلاقه وسلوكه وطريقة تعامله مع الناس.
وقد انتشر المسلمون في بلاد العالم، ومنها المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وأتيحت لهم فرص واسعة للتعريف بدينهم، من خلال الحوار والتعارف والعمل والدراسة والتعامل اليومي.
لكن السؤال: ماذا يرى الناس فينا؟ وماذا يتعرفون عليه من خلال سلوكنا؟
هل يرون دينًا يدعو إلى الرحمة والعدل والإنصاف والتكافل، أم يرون تناقضًا بين الشعارات والممارسات؟ هل يرون أناسًا يوسعون دائرة الخير والإحسان، أم يرون جماعات منشغلة بتصنيف بعضها بعضًا، والطعن في العلماء والدعاة، وتتبع الأخطاء والزلات، وإثارة الخصومات؟
ومن المؤسف أن بعض الخطابات الدينية المعاصرة تقدم الإسلام للناس من خلال قائمة طويلة من الممنوعات، ومجموعة من المعارك حول الأسماء والانتسابات والمظاهر، وكأن أعظم ما يحتاج إليه المسلم هو أن يعرف من يُحذَّر منه، ومن يُهجَر، ومن يُبدَّع، ومن يجوز له أن يجالسه!
فأين الدعوة إلى مكارم الأخلاق؟ وأين تزكية النفوس؟ وأين العلم النافع؟ وأين الرحمة بالخلق؟ وأين الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى؟
إن المشكلة ليست في حرص المسلم على السنة، وإنما في أن تتحول الغيرة عليها إلى غلظة، وأن يتحول الدفاع عنها إلى خصومة، وأن يصبح بعض المنتسبين إليها سببًا في تشويه صورتها.
ثانيًا: اختزال السلفية في مظاهر واختيارات جزئية
لا شك أن الالتزام بالهدي النبوي في الهيئة واللباس والعبادة من الأمور التي يعتني بها المسلم، ولا يصح التقليل من شأن السنن الثابتة والآداب الشرعية.
لكن الخلل يبدأ حين يُختزل التدين في المظاهر، ويُجعل الاهتمام ببعض الجزئيات علامةً وحيدة على صحة الاتباع، بينما تُهمَل جوانب أعظم تتعلق بسلامة القلب، وتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، ونضج العقل، وحسن التعامل مع الناس.
فما قيمة المظهر الذي لا تصحبه أخلاق؟ وما فائدة الحرص على بعض الهيئات إذا كان صاحبه سريع الطعن، شديد الخصومة، ضيق الصدر بالخلاف، لا يعرف للإنصاف مكانًا، ولا يترك للمخالف مساحة للاجتهاد؟
ليس المقصود الاعتراض على اللحية أو اللباس أو غيرهما من السنن والآداب، وإنما الاعتراض على تحويل هذه الأمور إلى مقياس شامل لتقويم الناس، أو جعل بعض الاختيارات الفقهية الخاصة عنوانًا وحيدًا للانتساب إلى السنة.
وقد رأينا في بعض الخطابات المدخلية مبالغة في الاهتمام بالمظاهر والجزئيات، يقابلها ضعف في الاهتمام بفقه الاختلاف، ومقاصد الشريعة، وأدب الحوار، وأخلاق العلماء.
فالسنة ليست مظهرًا منفصلًا عن الأخلاق، وليست هيئة خارجية بمعزل عن العلم والرحمة والعدل؛ بل هي هدي متكامل في الاعتقاد والعبادة والسلوك والمعاملة.
ثالثًا: تحويل الجرح والتعديل إلى سلاح للخصومة والإقصاء
ومن أبرز الإشكالات التي تستحق المراجعة في الخطاب المدخلي التوسع في استعمال الجرح والتعديل، حتى تحول في بعض دوائره من علم له أصوله وضوابطه ومقاصده إلى وسيلة لتصفية الخلافات وإسقاط المخالفين.
فالجرح والتعديل علم جليل، نشأ لحماية الرواية وتمييز صحيح الأخبار من سقيمها، وله شروطه ومناهجه واعتباراته العلمية. لكن تطبيق أحكام النقد على الأشخاص والمناهج والدعاة ليس أمرًا مباحًا لكل أحد، ولا يصح أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتوزيع التهم والتصنيفات.
فليس كل خطأ بدعة، وليس كل اجتهاد انحرافًا، وليس كل اختلاف دليلًا على فساد المنهج، وليس كل من خالف عالمًا أو داعية يستحق أن يُحذَّر منه أو يُهجر.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات المدخلية وسّعت دائرة التجريح حتى أصبح الخلاف مع بعض الرموز أو المشايخ سببًا في التشكيك في الأشخاص، والطعن في مقاصدهم، والتحذير من مجالستهم، وربما إسقاط تاريخهم العلمي والدعوي بسبب موقف أو عبارة أو اجتهاد.
وتُثار أحيانًا خصومات بين علماء ودعاة من أهل السنة، ثم تنتقل إلى أتباعهم، فتتشكل معسكرات متقابلة، ويصبح الولاء والبراء في نظر بعض المتحمسين مرتبطًا بالمواقف من أسماء معينة، لا بالحق والدليل والإنصاف.
وهنا نسأل:
أهذا هو المقصود من علم الجرح والتعديل؟ وهل وظيفته أن يتحول إلى أداة لتوسيع الخصومات بين المسلمين؟ وهل من الفقه أن تُشغَل أجيال من الشباب بتتبع زلات الدعاة وأخطائهم، بدل تعليمهم العلم النافع، وتربيتهم على العبادة والأخلاق، وإعدادهم لخدمة مجتمعاتهم؟
إن العلماء أنفسهم اختلفوا وانتقد بعضهم بعضًا، لكن النقد العلمي شيء، وتحويله إلى حملات تحذير وإقصاء وهدم للمكانة العلمية شيء آخر.
ليس كل من أخطأ يُسقط، وليس كل من خالفك يُهجر، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى معركة ولاء وبراء.
رابعًا: تضييق واسع الاجتهاد واحتكار فهم السنة
من أخطر مظاهر الخلل أن تتحول اختيارات بعض العلماء أو رموز التيار إلى أحكام يُطلب من جميع المسلمين الالتزام بها، وكأنها تمثل وحدها حقيقة السنة ومنهج السلف.
إن الشريعة جاءت بأصول ثابتة وأحكام قطعية، كما تركت مجالًا واسعًا للاجتهاد في مسائل كثيرة، واختلف العلماء في الفروع والاستنباطات وطرق تنزيل الأحكام على الوقائع.
وهذا الاختلاف لم يكن عيبًا في تاريخ الأمة، بل كان جزءًا من حركتها العلمية والفقهية.
فالأئمة الأربعة اختلفوا في مسائل عديدة، ولم يكن أحد منهم يزعم أن كل ما اختاره هو وحده الصواب الذي لا يحتمل غيره.
لكننا نجد في بعض الخطاب المدخلي تضييقًا في المسائل الاجتهادية، وتوسعًا في الإنكار على المخالف، وخلطًا بين مخالفة قول فقهي معين وبين مخالفة السنة أو منهج السلف.
فإذا أخذ عالم بقول فقهي معتبر، أو اختار اجتهادًا له دليله، لم يكن من الإنصاف أن يُجعل ذلك سببًا للطعن فيه أو التشكيك في اتباعه.
وإذا اختلف الدعاة في تقدير مصلحة عامة، أو وسيلة إصلاحية، أو موقف اجتهادي، فلا يصح أن يتحول ذلك تلقائيًا إلى اختبار للانتماء السلفي.
إن السنة ليست ملكًا لتيار، ولا حكرًا على مجموعة من المشايخ، ولا يجوز أن يُحتكر فهمها في دائرة ضيقة، ثم يُحاكم سائر العلماء والدعاة إلى اختيارات تلك الدائرة.
اتباع السلف يعني الاقتداء بعلمهم وفقههم وإنصافهم، لا تحويل اجتهادات بعض المعاصرين إلى نصوص لا تقبل المناقشة.
خامسًا: التوسع في التبديع والتحريم باسم المحافظة على السنة
ومن الإشكالات التي تتكرر في بعض الخطابات المتشددة التوسع في إطلاق أحكام البدعة والتحريم على وسائل وأمور مستجدة، لمجرد أنها لم تكن معروفة بصورتها المعاصرة في زمن النبوة.
وهنا لا بد من التفريق بين العبادات المحضة التي يُطلب فيها الاتباع والتوقيف، وبين العادات والمعاملات والوسائل والتنظيمات التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وتُدرس أحكامها في ضوء الأدلة والمقاصد والمصالح والمفاسد.
فليس كل جديد بدعة شرعية، وليس كل وسيلة مستحدثة محرمة، وليس كل نظام إداري أو سياسي مستورد من خارج البيئة الإسلامية مخالفًا للشريعة.
وقد تحتاج الأمة إلى تطوير نظمها الإدارية والتعليمية والاقتصادية، وإلى الاستفادة من التجارب الإنسانية في تنظيم المؤسسات، وتحقيق الرقابة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتطوير وسائل الدفاع عن البلاد.
ولا يصح رفض هذه الوسائل جميعًا بمجرد وصفها بأنها وافدة أو مستوردة.
فالعلم النافع لا وطن له، والخبرة الإنسانية لا تُرفض لمجرد أن أصحابها غير مسلمين، وإنما تُعرض على أحكام الشريعة ومبادئها، فما وافق الحق والمصلحة المعتبرة انتُفع به، وما خالفهما رُدَّ.
وكذلك لا يجوز الخلط بين الحكم على الوسيلة وبين الحكم على غايتها؛ فقد تكون الوسيلة مباحة في أصلها، ويطرأ عليها ما يجعلها ممنوعة، وقد تكون وسيلة جديدة تحقق مصلحة معتبرة لم تكن متاحة من قبل.
ومن هنا، فإن إطلاق أحكام البدعة والتحريم دون تفصيل علمي، لا يخدم السنة، بل قد يجعلها في نظر الناس دينًا يرفض كل تطور، ويعادي كل تجربة جديدة.
سادسًا: الطاعة ليست ترخيصًا لإلغاء النصيحة والمحاسبة
ومن المسائل التي تحتاج إلى تحرير دقيق في الخطاب المدخلي مسألة السمع والطاعة لولاة الأمور.
فالسمع والطاعة في المعروف أصل شرعي معروف، وتجنب الفتن وسفك الدماء مقصد معتبر، ولا يدعو العقلاء إلى الفوضى أو التمرد المسلح أو تقويض استقرار المجتمعات.
لكن الخطأ يقع حين يُتوسع في تنزيل نصوص الطاعة على كل موقف سياسي، حتى تصبح النصيحة للحاكم أو نقد سياساته أو المطالبة بالإصلاح موضع ريبة، أو تُلحق كل معارضة سلمية أو مطالبة مشروعة بالعدل بمسالك الخوارج.
فالفرق كبير بين الخروج المسلح المحرم وما يترتب عليه من فتن، وبين النصيحة، وإظهار الخطأ، والمطالبة بالحقوق، ومحاسبة المسؤولين، والسعي إلى الإصلاح بالوسائل المشروعة.
وليس معنى المحافظة على استقرار المجتمع أن يُعطَّل واجب النصح، أو يُمنع بيان الظلم، أو تُجعل طاعة ولي الأمر بمعنى عصمته من الخطأ والنقد.
فالطاعة في المعروف لا تعني الطاعة في المعصية، ولا تعني إسقاط واجب العدل، ولا تمنح أحدًا حصانة شرعية من النصح والتقويم.
ومن الإنصاف أن يُفرّق بين من يدعو إلى الفوضى والعنف، ومن يدعو إلى الإصلاح السلمي، وبين من يستحل الدماء، ومن يناقش سياسات عامة أو يطالب بمحاسبة المسؤولين.
إن اختزال كل هذه المسائل في تهمة الخروج، أو التعامل مع كل نقد سياسي باعتباره انحرافًا عقديًا، توسع لا يصح أن يُنسب إلى مقتضيات النصوص الشرعية دون دليل وتفصيل.
سابعًا: إنكار الحزبية ظاهرًا وممارسة الاصطفاف عمليًا
ومن المفارقات التي تستحق التأمل في بعض البيئات المدخلية أنها ترفع شعار محاربة الحزبية والتحزب، وتحذّر من التنظيمات والولاءات الجماعية، لكنها قد تقع عمليًا في صور من الاصطفاف الضيق الذي يشبه ما تنتقده عند غيرها.
فحين يصبح الانتماء العملي مرتبطًا بمجموعة من الرموز، وتُبنى المواقف على موافقتهم ومخالفتهم، وتُوزع التزكيات والتحذيرات بحسب القرب والبعد من تلك الدائرة، وتنشأ شبكة من الولاءات والتصنيفات التي تحدد من يُقبل ومن يُرفض، فإننا نكون أمام حالة من الاصطفاف الجماعي، وإن لم تحمل اسم حزب أو تنظيم.
وحين يُمتحن الدعاة بمواقفهم من أشخاص معينين، وتُقاس سلامة المنهج بمقدار موافقتهم لبعض الرموز، فإن السؤال يصبح مشروعًا:
ما الفرق بين التحزب الذي ترفضونه، وبين هذا الاصطفاف الذي تمارسونه عمليًا؟
ليس المقصود أن كل تجمع أو تعاون تنظيمي حرام، ولا أن كل اتفاق بين مجموعة من الدعاة يدخل في الحزبية المذمومة؛ وإنما المقصود أن المعيار ينبغي أن يكون واحدًا، وأن تُرفض العصبية والولاءات المغلقة سواء ظهرت تحت اسم حزب أو ظهرت تحت شعار محاربة الأحزاب.
فلا يصح أن نرفض الحزبية عند الآخرين ثم نقع في روحها وممارساتها بأسماء أخرى.
ثامنًا: ليست كل وسيلة جديدة بدعة، ولا كل اختلاف تهديد لوحدة الأمة
إن الأمة الإسلامية تواجه تحديات علمية واقتصادية وسياسية وثقافية كبيرة، وهي بحاجة إلى تعاون أبنائها، وتنوع خبراتهم، وتعدد اجتهاداتهم، وتكامل جهودهم.
ولا يمكن أن تُبنى نهضة الأمة إذا ظل أبناؤها مشغولين بإسقاط بعضهم بعضًا، أو إذا أصبح كل اختلاف في الوسائل والمواقف سببًا للتخوين والتبديع والتصنيف.
إن تعدد الآراء في الشؤون العامة لا يعني بالضرورة تمزيق الأمة، كما أن اختلاف المذاهب الفقهية لم يكن سببًا في إلغاء وحدة الدين.
وليس كل تعدد حزبي أو سياسي مشروعًا في كل صورة، وليس كل تنظيم أو تحالف مقبولًا دون ضوابط؛ لكن الحكم على هذه الوسائل يحتاج إلى دراسة موضوعية، لا إلى أحكام جاهزة تُصدر قبل فهم الواقع وتقدير المصالح والمفاسد.
ومن المؤسف أن بعض المتشددين في الخطاب المدخلي يرفضون صورًا متعددة من العمل الجماعي والإصلاح السياسي، ويختزلونها في الحزبية والبدعة، دون التمييز الكافي بين الوسائل المشروعة والممارسات المنحرفة.
فالخلاف في وسيلة الإصلاح لا يعني الخلاف في أصل الدين، وتنوع الاجتهادات لا يعني بالضرورة التحزب المذموم، والتعاون على المصالح العامة لا يُقاس بمجرد الأسماء والشعارات.
تاسعًا: أين فقه الأولويات ومقاصد الشريعة؟
حين ننظر إلى واقع الأمة، نجد تحديات ضخمة تتعلق بالجهل والفقر والفساد والظلم وضعف التعليم والتخلف العلمي والتقني، فضلًا عن الحروب والتبعية والاستبداد وتفكك المجتمعات.
وفي مقابل هذه التحديات، نجد بعض الخطابات الدعوية تُهدر قدرًا كبيرًا من طاقتها في الخصومات حول أسماء الدعاة، والتحذير من المخالفين، والجدال في مسائل فرعية، والبحث عن أخطاء تُضاف إلى قوائم الجرح والتبديع.
فأين فقه الأولويات؟ وأين ترتيب الواجبات؟ وأين إدراك تفاوت المسائل بين الأصول والفروع، وبين القطعي والاجتهادي، وبين الواجب والمستحب، وبين ما يعود نفعه على الفرد وما تعم به المصلحة؟
إن من علامات الخلل في الفقه أن تُعطى المسائل الصغيرة أكبر من حجمها، وأن تُهمَل القضايا الكبرى، وأن يصبح الانتصار في معركة تصنيفية أهم من إصلاح واقع المسلمين.
ولا يعني هذا إهمال العقيدة أو السنة أو التحذير من الانحرافات الحقيقية، وإنما يعني وضع كل مسألة في موضعها، وعدم تحويل جزئيات الدين إلى معارك تستنزف طاقات الأمة.
فالدعوة تحتاج إلى علماء يفقهون النصوص والواقع، ودعاة يجمعون بين العلم والحكمة، وشباب يتعلمون بدل أن ينشغلوا بالخصومات، ومؤسسات تعمل للإصلاح بدل أن تتحول إلى ساحات لتبادل الاتهامات.
عاشرًا: رسالة إلى المنتسبين إلى السلفية المدخلية
إن محبتنا للسنة وحرصنا على اتباع السلف لا تمنعنا من نقد الممارسات التي تسيء إلى السنة باسم الدفاع عنها.
بل إن من الوفاء للسنة أن ننزه خطابها عن الغلو، وأن نرفض توظيف النصوص في الخصومات، وأن نرد التجاوزات إلى ميزان العلم والعدل والإنصاف.
يا من تنتسبون إلى السلفية المدخلية:
ليس من منهج السلف أن تجعلوا كل مخالف لكم مبتدعًا، ولا أن تحولوا كل خلاف فقهي إلى قضية ولاء وبراء، ولا أن تجعلوا الجرح والتعديل سلاحًا لتصفية الحسابات، ولا أن تضيقوا على المسلمين في مسائل وسّع فيها أهل العلم.
ليس من نصرة السنة أن تنشغلوا بالطعن في الدعاة أكثر من تعليم الناس دينهم، ولا أن تجعلوا التحذير من المخالفين أصلًا ثابتًا في خطابكم، بينما تتراجع مساحة التربية والإصلاح والتعاون.
وليس من تعظيم النصوص أن تمنحوا آراء بعض المعاصرين منزلة النص الشرعي، ثم تطالبوا الناس باتباعها دون مناقشة.
وليس من المحافظة على جماعة المسلمين أن تتحول طاعة الحاكم إلى منع للنصيحة والمحاسبة، أو أن تُستخدم تهمة الخروج لإسكات كل صوت يدعو إلى إصلاح مشروع.
وليس من محاربة الحزبية أن تُنشئوا اصطفافات مغلقة، وتربطوا قبول الأشخاص وردهم بمواقفهم من رموز محددين.
إن السلف الصالح كانوا أوسع علمًا، وأعمق فقهًا، وأشد إنصافًا، وأبعد عن الغلو في الأشخاص، وأعرف بمراتب الخلاف ومواطن الاجتهاد.
فراجعوا خطابكم، ووازنوا بين ما تدعون إليه وما تمارسونه، واسألوا أنفسكم: هل قرّبت هذه الطريقة الناس من السنة أم نفّرتهم منها؟ وهل جمعت كلمة المسلمين أم زادتهم تفرقًا؟ وهل خدمت الدعوة أم جعلتها أسيرة الخصومات والتصنيفات؟
الخاتمة: السنة تجمعنا، فلا تجعلوها وسيلة لتفريقنا
إن الإسلام لا يحتاج إلى من يضيف إلى أحكامه قيودًا لم يوجبها الله، ولا إلى من يجعل اجتهاداته الخاصة معيارًا للحكم على تدين الناس، ولا إلى من يحوّل الخلافات العلمية إلى خصومات شخصية ومعارك لا تنتهي.
نحن بحاجة إلى خطاب سلفي يعيد الاعتبار إلى العلم والفقه والأخلاق، ويضع النصوص في مواضعها، ويميّز بين الثوابت والمتغيرات، وبين القطعي والاجتهادي، وبين النص الشرعي وفهم البشر له.
ونحن بحاجة إلى سلفية تُعنى بتزكية النفوس، وتعليم الناس دينهم، ومحاربة الجهل والفساد، وبناء الإنسان، وتوحيد الصفوف على المشتركات، لا سلفية تستنزف طاقاتها في التصنيف والتحذير والتجريح وإثارة النزاعات.
فلا تجعلوا اتباع السلف شعارًا لاحتكار الحق، ولا تجعلوا السنة غطاءً للتعصب للأشخاص، ولا تجعلوا الجرح والتعديل بابًا للطعن بغير علم، ولا توسعوا دائرة التبديع حتى لا يبقى في الأمة إلا من يوافقكم في كل شيء.
إن نصرة السنة تكون باتباعها علمًا وعملًا وأخلاقًا، لا بمجرد رفع شعارها، وإن الاقتداء بالسلف يكون بالعلم والعدل والرحمة والإنصاف، لا بتكرار أسماء السلف مع مخالفة كثير من معاني منهجهم في التعامل مع المخالفين.
وتذكروا دائمًا:
ليس كل تضييق اتباعًا، وليس كل تشدد غيرةً على السنة، وليس كل مخالف مبتدعًا، وليس كل نقد خروجًا، وليس كل اجتهاد جديد بدعة.
فالدعوة إلى الله دعوة هداية ورحمة وإصلاح، لا مشروع خصومة وإقصاء.
لا تُنفِّروا الناس من الإسلام باسم السنة، ولا تُضيِّقوا واسعًا باسم اتباع السلف؛ فالسنة أوسع من اختياراتكم، ومنهج السلف أكبر من تصنيفاتكم وخصوماتكم!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق