الجمعة، 30 أكتوبر 2026

الإمام حسن البنا وفقه الاختلاف: الأصول العشرون ومحاولة بناء أرضية مشتركة

 

الإمام حسن البنا وفقه الاختلاف: كيف نجمع المسلمين رغم اختلافهم؟

حين يصبح الخلاف الفقهي سببًا للخصومة، ويُقدَّم الانتصار للرأي على وحدة الصف، نحتاج إلى استعادة فقه العلماء الذين أدركوا أن الاختلاف لا يقتضي العداوة، وأن خدمة الإسلام أكبر من الانتصار في كل مسألة جزئية.

من بين القضايا التي شغلت الإمام حسن البنا في مشروعه الإصلاحي قضيةُ الاختلاف بين المسلمين، وكيفية التعامل مع تعدد الآراء والمذاهب والجماعات الإسلامية.

فقد أدرك مبكرًا أن الأمة لا تعاني من نقص في الدعاة والمنتسبين إلى العمل الإسلامي فحسب، بل تعاني كذلك من تشتت الجهود، وتنازع الاتجاهات، وتحول بعض الخلافات الفكرية والفقهية إلى خصومات تستنزف الطاقات وتضعف القدرة على الإصلاح.

ولذلك سعى إلى بناء منهج يقوم على توحيد الكلمة في القضايا الكبرى، واحترام الاجتهاد في المسائل التي تحتمل الخلاف، وتجنب التعصب الذي يحوّل الاختلاف العلمي إلى صراع بين المسلمين.

وهذه القضية ليست مجرد صفحة من تاريخ الدعوة الإسلامية الحديثة، بل هي سؤال يتجدد في واقعنا: كيف نختلف من غير أن نتباغض؟ وكيف نتمسك بما نراه حقًّا من غير أن نجعل آراءنا معيارًا للحكم على إسلام الآخرين واستقامتهم؟

أولًا: واقعٌ مثقل بالانقسام

ظهرت دعوة الإمام حسن البنا في مرحلة كانت الأمة الإسلامية تعيش فيها تحولات سياسية وفكرية ودينية عميقة، ولا سيما بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، وما أعقب ذلك من تغيرات في بنية العالم الإسلامي وتعدد المشاريع السياسية والفكرية.

ففي المجال السياسي، تنافست الاتجاهات الوطنية والقومية وغيرها، واختلفت تصوراتها حول مستقبل المجتمعات الإسلامية وعلاقتها بدينها وهويتها.

وفي المجال الفكري، ظهرت دعوات إلى الاقتباس من الحضارة الغربية، تفاوتت في مواقفها بين الانتفاع بإنجازاتها، وتبنّي نماذجها السياسية والاجتماعية، ومواقف أخرى رأت أن الانغلاق عنها هو الطريق الأسلم.

وفي المجال الديني، تعددت المدارس والجمعيات والاتجاهات، واختلفت مواقفها من المذاهب الفقهية، والتصوف، والتمسك بظواهر النصوص، وحدود التقليد والاجتهاد.

ولم يكن مجرد وجود هذا التنوع هو المشكلة؛ فالتنوع في الاجتهاد والمدارس الفكرية أمر معروف في تاريخ المسلمين. وإنما كانت المشكلة حين يتجاوز الاختلاف حدود البحث والنقاش، ويتحول إلى تنازع على الشرعية، وتبادل للاتهامات، وامتناع عن التعاون فيما يمكن التعاون فيه.

وفي مدينة الإسماعيلية، حيث بدأت دعوة حسن البنا، لمس هذا الواقع عن قرب، ورأى مظاهر من الخصومة بين بعض المنتسبين إلى الاتجاهات السلفية وبعض المنتسبين إلى الطرق الصوفية، حتى انعكست الخلافات على المساجد والمصلين، وبلغت في بعض الحالات حد التنازع والتشدد في الحكم على المخالف.

وكان من دروس تلك التجربة أن الدعوة إلى الله لا يكفيها أن تمتلك خطابًا صحيحًا في نظر أصحابها؛ بل تحتاج أيضًا إلى فقه في ترتيب الأولويات، ومعرفة بطبيعة الناس، وحكمة في اختيار الوسائل التي تقرّب ولا تنفّر، وتجمع ولا تفرّق.

ثانيًا: ليس كل ما عند المخالف باطلًا

من الجوانب المهمة في منهج حسن البنا أنه لم يتعامل مع الاتجاهات الفكرية والسياسية بمنطق القبول المطلق أو الرفض المطلق، بل حاول التمييز بين المعاني والمواقف، فيقبل ما يراه موافقًا للإسلام، ويرفض ما يتعارض معه.

فلم يكن مجرد الانتساب إلى مفهوم القومية أو الوطنية كافيًا عنده للحكم على الفكرة كلها، بل كان ينظر في مضمونها وما تتضمنه من معانٍ ومواقف.

وهذا أصل مهم في الحوار الفكري: أن نناقش الأفكار بحسب مضامينها، لا أن نحكم عليها جميعًا من خلال أسمائها أو بعض ما يقوله المنتسبون إليها.

والمنهج نفسه نحتاج إليه في الخلاف الديني؛ فلا يصح أن نختزل مدرسة فقهية أو دعوية كاملة في خطأ بعض أفرادها، ولا أن نجعل مخالفة رأينا في مسألة اجتهادية دليلًا على فساد منهج المخالف كله.

فالإنصاف يقتضي التفريق بين الخطأ والصواب، وبين المسألة الجزئية والأصل الكلي، وبين نقد القول والحكم على قائله.

ثالثًا: الخلاف في الفروع لا يبرر القطيعة

من أبرز ما قرره حسن البنا في رسالته «دعوتنا» حديثه عن الخلافات الدينية والآراء المذهبية، حيث رفض أن يكون الاختلاف في المسائل الفرعية حائلًا دون المحبة والتعاون بين المسلمين.

ومما جاء في كلامه:

نعتقد هذا فنلتمس العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدًا حائلًا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير.

ثم يطرح سؤالًا بليغًا في معناه:

ألسنا مسلمين وهم كذلك؟ وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟

هذه الكلمات تلخص جانبًا مهمًّا من فقه الاختلاف: أن الإنسان قد يعتقد رجحان رأي معين، ويعمل به ويدعو إليه، من غير أن يجعل مخالفة الآخرين له سببًا للقطيعة أو الانتقاص.

فليس المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا العلمية، أو أن نساوي بين جميع الأقوال، أو أن نمتنع عن بيان ما نراه صوابًا؛ وإنما المطلوب أن نفرّق بين الثبات على الرأي والتعصب له، وبين مناقشة المخالف وإقصائه، وبين الدعوة إلى الحق واحتكار الحق لأنفسنا.

وإذا كان الخلاف لا يخرج عن دائرة الاجتهاد المعتبر، فإن من الخطأ تحويله إلى معركة ولاء وبراء، أو امتحان الناس في مسائل لا يسوغ فيها هذا التشدد.

أما المسائل القطعية، والأخطاء التي يترتب عليها ضرر أو اعتداء على الحقوق، فلها أحكامها وضوابطها، ولا يصح أن تُسوّى بالخلافات الاجتهادية التي وسع فيها أهل العلم.

رابعًا: لماذا اختلف العلماء؟

لم يكن اختلاف الفقهاء دليلًا على جهلهم بالدين، ولا على أن أحدهم يتعمد مخالفة النصوص، بل نشأ عن أسباب علمية معروفة، أشار حسن البنا إلى جملة منها.

1. تفاوت العقول وطرائق الاستنباط

تتفاوت قدرات العلماء في فهم النصوص، والجمع بين الأدلة، واستنباط الأحكام، والنظر في دلالات الألفاظ والقرائن.

وقد يتفق العالمان على النص، ثم يختلفان في دلالته أو في كيفية تنزيله على الواقعة.

2. تفاوت ما بلغهم من العلم

قد يبلغ العالمَ دليلٌ لا يبلغ غيره، أو يطّلع أحدهما على رواية أو أثر لا يكون الآخر قد وقف عليه، فيختلف اجتهادهما بناءً على ما توفر لكل منهما من العلم.

ولهذا نُقل عن الإمام مالك، في حديثه مع الخليفة أبي جعفر المنصور، التحذير من حمل الناس على رأي واحد مع تفرق الصحابة في الأمصار، واختصاص كل قوم بشيء من العلم.

3. اختلاف البيئات والأحوال

قد تتغير بعض الفتاوى تبعًا لتغير الظروف والأعراف والوقائع التي تتعلق بها، مع بقاء الأصول الشرعية ثابتة.

ومن أشهر الأمثلة اختلاف اجتهاد الإمام الشافعي بين مذهبه القديم في العراق ومذهبه الجديد في مصر، بما يعكس ما انتهى إليه نظره بعد تغير معطيات الاجتهاد وما ظهر له من أدلة ووجوه استدلال.

4. الاختلاف في ثبوت الروايات وقبولها

قد يطمئن إمام إلى رواية بناءً على ما عرفه من حال راويها وطرق نقلها، ولا يطمئن إليها غيره لأسباب تتعلق بالإسناد أو النقد الحديثي.

فلا يكون كل اختلاف في الحكم ناشئًا عن اختلاف في فهم النص؛ فقد يكون سببه اختلاف العلماء في ثبوت الدليل نفسه.

5. الاختلاف في دلالات الأدلة ومراتبها

قد يختلف الفقهاء في دلالة الأمر والنهي، أو في العموم والخصوص، أو في تقديم بعض الأدلة عند التعارض الظاهري، أو في الاحتجاج ببعض أنواع الأخبار، أو في اعتبار العرف وعمل الناس ضمن الضوابط المقررة.

وهذه مسائل علمية لها مناهجها وقواعدها، ولا يصح اختزالها في اتهام هذا العالم باتباع الهوى، أو ذاك بتقديم رأيه على النص.

ومن هنا نفهم أن اختلاف الفقهاء ليس أمرًا غريبًا على تاريخ الإسلام، وأن وجود الخلاف لا يعني بالضرورة غياب المنهج أو ضعف الالتزام بالدليل.

خامسًا: أصحاب النبي ﷺ اختلفوا، ولم يجعلوا كل خلاف خصومة

استشهد حسن البنا باختلاف الصحابة في بعض مسائل الاجتهاد، ومن أشهر أمثلته حديث بني قريظة، حين قال النبي ﷺ:

«لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة».

ففهم بعض الصحابة الأمر على ظاهره، فأخّروا الصلاة حتى وصلوا، وفهم آخرون أن المقصود الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق قبل خروج الوقت.

ولما بلغ ذلك النبي ﷺ لم يعنّف واحدًا من الفريقين.

ويُستفاد من هذه الواقعة أن اختلاف الفهم قد يقع بين أهل العلم والفضل، وأن النظر في مقاصد الكلام وقرائنه قد يؤدي إلى اجتهادات مختلفة.

لكن الدرس ليس أن كل تفسير صحيح، أو أن كل خلاف لا يحتاج إلى ترجيح؛ بل إن وجود الخلاف لا يبيح اتهام المخالف في نيته، ولا يجعل مجرد مخالفته لاجتهادنا دليلًا على انحرافه.

وإذا كان هذا مما وقع بين الصحابة، وهم أقرب الناس إلى عهد النبوة وأعلمهم بأحوالها، فإن اختلاف العلماء من بعدهم لا ينبغي أن يفاجئنا، ولا أن يدفعنا إلى إلغاء تراث الاجتهاد الفقهي أو التعامل معه بعقلية الخصومة.

سادسًا: الأئمة الأربعة لم يجعلوا اختلافهم سببًا لإهدار علم بعضهم

اختلف الأئمة المجتهدون في مسائل كثيرة، وناظر بعضهم بعضًا، وتعددت المذاهب الفقهية التي نشأت عن اجتهاداتهم واجتهادات تلاميذهم.

ولم يكن معنى ذلك أن كل قول متساوٍ في القوة، ولا أن الترجيح بين الأقوال ممنوع؛ بل كان الاختلاف جزءًا من حركة العلم والبحث والاستدلال.

ومن الخطأ أن نقرأ هذا التراث بعقلية معاصرة تجعل الانتصار لمذهب أو شيخ مبررًا لانتقاص بقية العلماء، أو تتعامل مع تاريخ الفقه الإسلامي وكأنه سلسلة من الانحرافات التي لا يصححها إلا رأي واحد.

كما أنه ليس من الإنصاف أن نجعل احترام المذاهب مرادفًا للتقليد الأعمى، أو أن نجعل الدعوة إلى الدليل ذريعة للاستخفاف بأئمة الفقه وقواعد الاستنباط التي وضعوها.

فالمنهج العلمي يقتضي احترام العلماء، وفهم أدلتهم، والنظر في حججهم، والترجيح بقدر العلم والأهلية، لا بمجرد الحماسة أو الثقة بالنفس.

سابعًا: الأصول العشرون ومحاولة بناء أرضية مشتركة

حرص حسن البنا على وضع أصول عامة لدعوته، عُرفت باسم «الأصول العشرين»، قصد بها تحديد جملة من المعالم التي تساعد على ضبط الفهم والعمل، وتقريب وجهات النظر بين العاملين للإسلام.

وكان من معالم منهجه الدعوي عدم جعل كل مسألة فرعية محل نزاع يستهلك الجهد ويشتت الصف.

وتبرز أهمية هذا التوجه حين ندرك أن العاملين للإسلام قد يتفقون على أصول كبرى ومقاصد عامة، ثم يختلفون في مسائل فقهية أو اجتهادية لا تستلزم إلغاء ما بينهم من روابط.

ومن هذا المنطلق، فإن ترك بعض المسائل المختلف فيها دون تحويلها إلى معارك عامة قد يكون من الحكمة الدعوية، متى كانت المسألة تحتمل الاجتهاد، ولم تكن هناك حاجة علمية أو عملية ملحّة إلى حسمها.

وهذا لا يعني إخفاء الحق، ولا منع البحث العلمي، ولا تعطيل النقد؛ وإنما يعني أن نعرف متى يكون بيان المسألة ضرورة، ومتى يكون تأجيل الجدال حولها أولى بمصلحة الدعوة ووحدة المسلمين.

فليست كل مسألة تستحق أن نجعلها عنوانًا لهويتنا، ولا كل خطأ محتمل سببًا لإهدار ما بين المسلمين من اتفاق وتعاون.

ثامنًا: نجمع ولا نفرّق

من العبارات البارزة في رسالة حسن البنا «دعوتنا» تأكيده أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة، وأنها تسعى إلى توحيد وجهة الأنظار والهمم، وأن الفرقة من أعظم ما أضعف المسلمين، وأن المحبة والوحدة من أسباب قوتهم.

والمعنى الذي يستحق التأمل هنا هو أن العمل الإسلامي لا ينبغي أن يُبنى على تضخيم الفروق الجزئية، وإنما على إدراك المشتركات، وترتيب الأولويات، والتعاون فيما يمكن التعاون فيه.

ولا يعني هذا إلغاء الخصوصيات العلمية، أو مطالبة الجميع بالانضواء تحت جماعة واحدة، أو منع النقد والمراجعة؛ فالوحدة المنشودة ليست تطابقًا كاملًا في الآراء، وإنما هي اجتماع على الأصول المشتركة، واحترام للاجتهاد المعتبر، وتعاون في ميادين الخير، وإدارة للخلاف بما يمنع تحوله إلى عداوة.

وقد يجتمع المسلمون على خدمة المجتمع، وتعليم الناس، ومقاومة الظلم، وإغاثة المحتاجين، والدفاع عن قضايا الأمة، مع اختلافهم في بعض الفروع الفقهية أو الخيارات الاجتهادية.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نُحسن توظيف ما نتفق عليه، أم نهدر طاقاتنا في النزاع حول كل ما نختلف فيه؟

تاسعًا: ماذا نحتاج اليوم من فقه الاختلاف؟

إن استحضار هذا الجانب من منهج حسن البنا لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي لشخصية تاريخية، أو إلى دعوة لقبول كل ما قاله أو تبنّاه؛ فكل عالم وداعية يؤخذ من قوله ويُترك، والعبرة بوزن الأفكار والأقوال بالعلم والدليل.

لكن من الممكن أن نستفيد من المعاني التي أكدها في معالجة الخلاف، وأن نجعلها قواعد عملية في واقعنا الإسلامي.

أولًا: أن نفرّق بين القطعي والاجتهادي.

فليس كل خلاف في منزلة واحدة، ولا يصح أن نتعامل مع المسائل الظنية كما نتعامل مع الأصول القطعية.

ثانيًا: أن نترك التعصب للأشخاص والجماعات.

فلا عصمة لشيخ، ولا لجماعة، ولا لمذهب في كل اجتهاداته، كما لا يجوز أن تتحول أخطاء الأفراد إلى أحكام شاملة على الجميع.

ثالثًا: أن نحترم المذاهب الفقهية وتراث العلماء.

فالدعوة إلى اتباع الدليل لا تعني إهدار جهود الفقهاء، كما أن احترام المذاهب لا يعني منع النظر والترجيح.

رابعًا: أن نرفض التبديع والتضليل بغير علم.

فالأحكام الشرعية لها ضوابطها، ولا يجوز أن تكون الألقاب وسيلة لإسكات المخالف أو إخراجه من دائرة أهل السنة لمجرد مخالفته في مسألة اجتهادية.

خامسًا: أن نتعاون فيما نتفق عليه.

فالمسلمون أحوج ما يكونون إلى توحيد جهودهم في القضايا الكبرى، وإلى تقليل الخصومات التي لا تزيد واقعهم إلا ضعفًا وتشتتًا.

سادسًا: أن نجمع بين وضوح الموقف وحسن التعامل.

فالحوار الهادئ لا يعني التنازل عن الحق، والرفق لا يعني السكوت عن الخطأ، كما أن قوة الحجة لا تحتاج إلى التجريح، وبيان الصواب لا يستلزم الانتقاص من المخالف.

الخاتمة: الاختلاف لا يمنع الأخوة

إن الدرس الأهم الذي نستحضره من حديث حسن البنا عن فقه الاختلاف هو أن العمل للإسلام يحتاج إلى علم يميز بين مراتب المسائل، وبصيرة تحسن ترتيب الأولويات، وأخلاق تمنع الخلاف من التحول إلى خصومة وعداوة.

فليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، فهذا لا يتحقق في كثير من مسائل الاجتهاد؛ وليس المطلوب أن نتنازل عن قناعاتنا، بل أن نعرف كيف نتمسك بها من غير أن نظلم المخالف أو نبخس علمه.

نتفق حيث يكون الاتفاق ممكنًا، ونتحاور حيث يكون الحوار نافعًا، ونختلف بأدب حين يختلف الاجتهاد، ونرفض أن تتحول الفروع إلى حواجز تقطع ما بين المسلمين من أخوة وتعاون.

فالأمة التي تجعل كل اختلاف معركة لن تجد وقتًا كافيًا لمعالجة قضاياها الكبرى، والدعوة التي تنشغل بإقصاء المخالفين أكثر من انشغالها بإصلاح الناس ستستنزف كثيرًا من طاقتها في الداخل.

وليس من فقه الدعوة أن ننتصر في كل جدال، بل أن نعرف أي القضايا تستحق أن نبذل فيها الجهد، وأي الخلافات يمكن احتواؤها، وكيف نحفظ للحق مكانته وللمخالف كرامته وللأمة وحدتها.

فلنجعل اختلافنا مجالًا للبحث والاجتهاد، لا ذريعة للتنازع؛ ولنجعل اتفاقنا منطلقًا للعمل، لا مجرد شعار نردده؛ ولنتذكر دائمًا أن وحدة المسلمين لا تعني إلغاء عقولهم، وأن احترام الاختلاف لا يعني إلغاء الحق، وأن الجمع بين العلم والإنصاف والأخوة هو الطريق الأجدر بخدمة الإسلام والمسلمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق