الجمعة، 30 أكتوبر 2026

لنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه… نداء إلى وحدة الصف الإسلامي!

 

لنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه… نداء إلى وحدة الصف الإسلامي!

أمتنا أكبر من خلافاتنا، ورسالتنا أعظم من خصوماتنا، وما يجمع المسلمين من أصول الدين وقضايا الأمة ومصالحها الكبرى أوسع بكثير مما يختلفون فيه من مسائل الاجتهاد والفروع.

إن من أعظم ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية اليوم أن تتعلم كيف تختلف دون أن تتفرق، وكيف تتحاور دون أن تتباغض، وكيف تتعاون دون أن يشترط بعضها على بعض التطابق في كل رأي واجتهاد وموقف.

إننا بحاجة إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نراجع طرائق تعاملنا مع المخالفين، وأن ندرك أن نصرة الإسلام وخدمة المسلمين لا تتحققان بتبديد الطاقات في الخصومات، ولا بتحويل كل اختلاف إلى معركة، ولا بجعل كل مسألة اجتهادية ميدانًا للتصنيف والتجريح والإقصاء.

فلنتعاون على المتفق عليه، ولنتحاور فيما اختلفنا فيه، ولنتبادل العذر فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فليس من الحكمة أن نترك ميادين العمل المشترك لننشغل بمعارك تستنزف جهودنا وتُضعف صفوفنا.

أولًا: الاختلاف لا يعني العداوة، والتعاون لا يشترط التطابق

إن الاختلاف في الفهم والاجتهاد والتقدير أمر عرفته الأمة منذ عصورها الأولى، ولم يكن كل اختلاف سببًا للفرقة، ولا كل تباين في الرأي موجبًا للقطيعة والخصومة.

فقد يتفق العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية على أصول الدين وثوابته، وعلى جملة واسعة من المقاصد والغايات، ثم يختلفون في بعض الفروع الفقهية، أو الوسائل الدعوية، أو تقدير المصالح والمفاسد، أو فهم بعض الوقائع وتنزيل الأحكام عليها.

وهذا التفاوت لا يقتضي بالضرورة أن يتحول المختلفون إلى خصوم، أو أن يتبادلوا الاتهامات، أو أن يسعى كل فريق إلى إسقاط الآخر وإقصائه من ميدان العمل الإسلامي.

إن الخلل لا يكمن دائمًا في وجود الاختلاف، بل في تحويله إلى خصومة دائمة، وفي المبالغة في تضخيم المسائل الجزئية، حتى تصبح عند بعض الناس أهم من القضايا الكبرى التي اجتمعوا أصلًا على خدمتها.

فليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، وإنما أن نعرف كيف نتعامل مع ما نختلف فيه، وأن نُحسن التعاون فيما نتفق عليه.

وهذا هو جوهر فقه الاختلاف: أن نعرف مواضع الاتفاق فنحفظها وننميها، ومواضع الاجتهاد فنحترمها ونناقشها بالحجة، وأسباب النزاع فنعالجها بالعلم والإنصاف والحكمة.

ثانيًا: لا تجعلوا الخلافات الفرعية تبتلع القضايا الكبرى!

ما أحوج الأمة الإسلامية إلى أن تنظر إلى واقعها بعين البصيرة، وأن تدرك حجم التحديات التي تواجهها في ميادين الإصلاح والبناء والتعليم والدعوة والوحدة والتقدم!

فليس من المعقول أن تمتلك الأمة هذا الرصيد الكبير من العلماء والدعاة والطاقات والخبرات، ثم تبدد جانبًا معتبرًا منه في معارك متبادلة، وردود لا تنتهي، وخصومات تتجدد لأسباب كان يمكن تجاوز كثير منها بالحوار والتفاهم.

وليس من الحكمة أن تنشغل الجماعات الإسلامية بتتبع أخطاء بعضها، وتضخيم هفواتها، والتنافس في نقدها، بينما تتعطل فرص التعاون في ميادين العلم والتربية والإصلاح وخدمة المجتمع.

إن الأمة تحتاج إلى من يبني، كما تحتاج إلى من يصحح؛ وإلى من يعلّم، كما تحتاج إلى من يناقش؛ وإلى من ينكر الخطأ، كما تحتاج إلى من يعرف قدره وحدوده، فلا يحوّل كل خطأ إلى قضية مصيرية، ولا كل خلاف إلى معركة فاصلة.

وقد وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة في التحذير من التنازع، فقال الله تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

فالتنازع لا يقتصر أثره على إفساد العلاقات بين المختلفين، بل قد يمتد إلى إضعاف قدرتهم على الإنجاز، وإهدار جهودهم، وتفويت مصالح كان يمكن تحقيقها بالتعاون والتنسيق.

وحين تصبح الخصومة غاية، يتراجع العمل، وحين يتحول المخالف إلى عدو دائم، تضيع فرص الإصلاح، وحين تُستنزف الطاقات في الداخل، تضعف القدرة على مواجهة التحديات في الخارج.

ثالثًا: وحدة الصف لا تعني إلغاء الاختلاف

ينبغي أن نتحرر من تصور خاطئ، مفاده أن وحدة المسلمين لا تتحقق إلا إذا اتفقوا في جميع المسائل، أو أن التعاون لا يجوز إلا بعد حسم كل خلافاتهم.

فهذا التصور يجعل الوحدة غاية مؤجلة إلى أجل غير معلوم؛ لأن الاختلاف في الاجتهادات والوسائل والتقديرات سيظل موجودًا ما دامت العقول تتفاوت في الفهم، والأدلة تحتاج إلى نظر، والوقائع تتجدد، والمصالح تختلف باختلاف الأحوال.

أما الوحدة الراشدة، فلا تقوم على فرض رأي واحد في كل مسألة، ولا على إلغاء الاجتهاد، وإنما تقوم على اجتماع الكلمة في الأصول المشتركة، واحترام الخلاف المعتبر، والتعاون على المصالح المشروعة، وإدارة النزاع بما يمنع تحوله إلى عداوة وانقسام.

لقد اختلف أئمة الإسلام في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقي لهم قدرهم العلمي، ومكانتهم في الأمة، وفضلهم في خدمة الشريعة. ولم يكن اختلافهم في الاجتهاد مبررًا لإهدار علومهم، أو إسقاط منزلتهم، أو تحويل المسائل المختلف فيها إلى حواجز تمنع الانتفاع بعلمهم.

فكيف نرضى لأنفسنا اليوم أن نضيّق ما وسّعه الاجتهاد المعتبر، وأن نجعل من بعض المسائل الفرعية سببًا للقطيعة، مع أن بين المسلمين مساحات واسعة من الاتفاق والعمل المشترك؟

إن احترام الاختلاف لا يعني أن جميع الآراء صحيحة، ولا أن الحق نسبي لا يمكن معرفته، وإنما يعني أن طلب الحق ينبغي أن يقترن بالتواضع العلمي، والعدل مع المخالف، والتمييز بين الخطأ الذي يناقش بالدليل والخلاف الذي يسوغ فيه الاجتهاد.

رابعًا: من التنازع إلى التكامل… كيف نستعيد قوة العمل الإسلامي؟

إن تشتت الجهود من أبرز أسباب ضعف كثير من الأعمال والمشروعات الإسلامية؛ فبدلًا من أن تتكامل الطاقات، قد تتنافس في غير موضع التنافس، وبدلًا من أن يستفيد بعضها من خبرات بعض، قد تنشغل بتتبع العيوب وإبراز النقائص.

وكم من مشروع نافع تعطل بسبب خصومة بين القائمين عليه! وكم من فرصة للتعاون ضاعت لأن كل طرف أراد أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة! وكم من علاقة علمية أو دعوية أفسدتها أحكام متسرعة، أو اتهامات لم تُبنَ على تثبت وإنصاف!

إننا لا نحتاج إلى أن تتخلى كل جماعة عن هويتها، أو أن تتنازل عن اجتهاداتها، أو أن تذوب في غيرها؛ وإنما نحتاج إلى أن تدرك حدود دورها، وأن تحترم جهود الآخرين، وأن تعرف أن ميادين خدمة الإسلام أوسع من أن تحتكرها جماعة، وأن أبواب الإصلاح أكثر من أن ينهض بها فريق واحد.

فليعمل كل طرف فيما يحسنه، وليستفد من خبرات غيره، وليتعاون الجميع في المشروعات التي تجمعهم، وليتركوا أبواب الحوار مفتوحة فيما يختلفون فيه.

إن تعدد الجهود يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أحسنّا تنسيقها، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف حين نجعلها تتصادم وتتآكل من الداخل.

وما أجمل أن تتنافس الجماعات في خدمة القرآن، وتعليم السنة، وتربية الأجيال، وإغاثة المحتاجين، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع؛ بدلًا من أن تتنافس في التشنيع بعضها على بعض، وكأن نجاح فريق لا يتحقق إلا بفشل الفريق الآخر!

خامسًا: رسالة أخوية إلى غلاة التصنيف والتجريح والإقصاء

إن من أخطر ما يصيب العمل الإسلامي أن يتحول الخلاف العلمي إلى ميزان للولاء والبراء بين العاملين، وأن يصبح الانتماء إلى جماعة أو تيار سببًا للحكم على الآخرين قبل سماع حججهم وفهم مقاصدهم.

ومن المؤسف أن ينشغل بعض الدعاة بتصنيف المخالفين، والتحذير المتبادل منهم، وتتبع زلاتهم، حتى يطغى هذا الانشغال على الدعوة والتعليم والإصلاح، وتصبح الخصومة مع المخالف أشد حضورًا من العمل للقضايا التي يتفق الجميع على أهميتها.

إن النقد العلمي حق، وبيان الخطأ واجب في موضعه، والتحذير من الضرر الحقيقي قد يكون مطلوبًا؛ لكن هذه الأمور لا تبيح الظلم، ولا تبرر التعميم، ولا تجعل كل خلاف دليل انحراف، ولا تمنح أحدًا حق احتكار السنة أو المنهج الصحيح لنفسه وجماعته.

فليس كل من خالفنا مبتدعًا، ولا كل من أخطأ في اجتهاده مستحقًّا للإقصاء، ولا كل اختلاف في تقدير المواقف دليل على فساد النية أو الانحراف عن الدين.

والواجب أن نزن الأقوال والأفعال بالعلم والعدل، وأن نميز بين الخطأ الواضح والخلاف الاجتهادي، وبين النقد المخلص والتشهير، وبين النصيحة التي تقصد الإصلاح والخصومة التي لا تريد إلا الانتصار للنفس أو للجماعة.

كما ينبغي أن ندرك أن من حقنا مناقشة أفكار الآخرين، ومن حقهم مناقشة أفكارنا؛ وأن الرد على الرأي لا يستلزم الطعن في صاحبه، وأن مخالفة العالم في مسألة لا تسقط علمه وفضله، كما أن الانتساب إلى منهج معين لا يعصم صاحبه من الخطأ.

فمن أراد نصرة الحق، فليكن عادلًا حتى مع مخالفه؛ ومن أراد جمع الكلمة، فليبدأ بإصلاح طريقته في إدارة الخلاف؛ ومن أراد خدمة السنة، فلا يجعل الخلاف في فهمها ذريعة إلى تمزيق صفوف أهل القبلة.

سادسًا: كيف نتعاون عمليًّا رغم اختلافنا؟

إن الدعوة إلى وحدة الصف لا ينبغي أن تبقى أمنية جميلة أو شعارًا يتكرر في المناسبات، بل يجب أن تتحول إلى منهج عملي في العلاقات والمواقف والمشروعات.

ويمكن أن نبدأ بخطوات واضحة:

١. نوسّع دائرة المشتركات: فنبحث عما يجمعنا من قضايا العلم والدعوة والإصلاح وخدمة المجتمع، بدلًا من حصر الاهتمام فيما يفرقنا.

٢. نفتح أبواب الحوار: فالمسائل المختلف فيها تُناقش بالحجة والبرهان، لا بالتشهير والتخوين، ولا بإصدار الأحكام قبل فهم أقوال المخالفين.

٣. نحترم الاجتهاد المعتبر: فلا نجعل مسائل الخلاف الفقهي أو التقديرات الاجتهادية معيارًا وحيدًا للحكم على الأشخاص والجماعات.

٤. نراجع أحكامنا بإنصاف: فمن حق الإنسان أن يراجع رأيه إذا ظهر له الدليل، ومن واجبه أن يعترف بخطئه إذا تبين له، وليس في ذلك انتقاص من قدره.

٥. نميز بين الخطأ وصاحبه: فنناقش الفكرة، ونبين وجه الخطأ، ونحفظ للناس حقوقهم، ولا نجعل كل نقد مقدمة للقطيعة أو إسقاط المكانة.

٦. نبدأ بما نستطيع الاتفاق عليه: فلا نعلّق كل تعاون على حل جميع الخلافات، بل ننجز الأعمال المشتركة الممكنة، ونواصل الحوار فيما بقي من اختلاف.

٧. نجعل الأخوة ضابطًا للخلاف: فلا يحملنا اختلاف الرأي على الظلم، ولا يمنعنا النقد من الاعتراف بالفضل، ولا يجعلنا الحرص على الصواب ننسى واجب العدل والإحسان.

إن هذه الخطوات لا تلغي الخلاف، لكنها تمنعه من التحول إلى خصومة مدمرة، وتفتح الطريق أمام تعاون أكثر نضجًا واتزانًا.

سابعًا: لا نطلب من الجميع أن يتطابقوا، بل أن يحسنوا التعاون

إن الدعوة إلى وحدة الصف ليست دعوة إلى تمييع الثوابت، ولا إلى السكوت عن الأخطاء، ولا إلى جمع المتناقضات على حساب الحق؛ وإنما هي دعوة إلى وضع كل مسألة في موضعها، وإعطاء كل خلاف حجمه الحقيقي، وعدم السماح للقضايا الاجتهادية بأن تطغى على الواجبات المشتركة.

فقد نختلف في مسألة، ونتحاور فيها طويلًا، ولا نصل إلى رأي واحد؛ ومع ذلك نستطيع أن نتعاون في تعليم الناس، وخدمة المحتاجين، ونشر العلم، وإصلاح المجتمع، وسائر الأعمال المشروعة التي لا يتوقف إنجازها على حسم ذلك الخلاف.

وقد نرى خطأً في موقف جماعة أو اجتهاد داعية، فننصح ونناقش ونبين ما نراه صوابًا، دون أن نجعل ذلك مبررًا لإهدار كل ما لديهم من خير أو قطع كل سبيل للتعاون معهم.

وهذا هو التوازن الذي نحتاج إليه: ثبات في الأصول، وإنصاف في الأحكام، وسعة في مسائل الاجتهاد، وحكمة في إدارة الخلاف، وحرص على المصالح العامة.

أما أن نرفع شعار الوحدة، ثم نمارس الإقصاء عند أول خلاف؛ أو ندعو إلى الأخوة، ثم نطعن في النيات؛ أو نتحدث عن جمع الكلمة، ثم نجعل من كل مسألة فرعية معركة لا تنتهي، فذلك تناقض يحتاج إلى مراجعة صادقة.

إن وحدة الصف تبدأ حين نكف عن اشتراط التطابق الكامل، ونتعلم كيف نعمل معًا رغم اختلافنا، ونحفظ للأخوة مكانتها رغم تباين اجتهاداتنا.

خاتمة: لنجعل ما يجمعنا جسرًا للتعاون، لا ما يفرقنا جدارًا للخصومة

يا أهل العلم والدعوة والعمل الإسلامي، إن أمتنا أحوج ما تكون إلى جمع الطاقات، وتنسيق الجهود، وترشيد الخلافات، وتقديم ما ينفع الناس على ما يشبع رغبة الانتصار في الخصومات.

فلنفتح صفحة جديدة، لا نتنازل فيها عن الحق، ولا نهمل فيها واجب النصيحة، ولكن نتحرر فيها من التعصب، ونبتعد عن الغلو في الخصومة، ونعرف قدر المسائل الاجتهادية، ونحفظ للمخالف حقه في الحوار والإنصاف.

لنتعاون على ما يجمعنا، ونتحاور فيما يختلف فيه نظرنا، ونتناصح فيما نخطئ فيه، ونتكامل فيما تتفاوت فيه قدراتنا، ولنجعل نجاح أحدنا مكسبًا للعمل الإسلامي كله، لا تهديدًا لمكانة الآخرين.

ولنتذكر أن خدمة الإسلام لا تتحقق بكثرة الردود وحدها، ولا بقسوة العبارات، ولا بتوسيع دوائر التصنيف؛ وإنما تتحقق بالعلم النافع، والعمل الصالح، والحكمة في الدعوة، والعدل مع الناس، وحسن التعاون على البر والتقوى.

فلنتعاون على المتفق عليه، ونتسامح فيما اختلفنا فيه، ولنجعل خلافاتنا مجالًا للحوار والتبصر، لا سببًا للعداوة والتنازع والإقصاء.

فأمتنا أكبر من جماعاتنا، والإسلام أوسع من انتماءاتنا، ورسالتنا أعظم من خصوماتنا.

نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يهدينا إلى الحق، وأن يرزقنا الإنصاف والحكمة، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن يعيننا على خدمة دينه وأمته بما يرضيه.

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق