الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

سحين يرتدي المشاكس ثوب الواعظ… من الخصومة الاجتماعية إلى التشدد الديني باسم السلفية!

 

حين يرتدي المشاكس ثوب الواعظ… من الخصومة الاجتماعية إلى التشدد الديني باسم السلفية!

من الملاحظات التي تستحق التأمل في بعض البيئات الاجتماعية، أن بعض الأشخاص الذين عُرفوا بالمشاكسة، أو السلوكيات المضطربة في علاقاتهم بالناس، أو كثرة الدخول في الخصومات، يتحولون فجأة إلى نمط متشدد من التدين، ثم لا يلبث بعضهم أن يصبح من أشد الناس محاكمةً للآخرين، وأكثرهم استعدادًا لتصنيفهم وتبديعهم والطعن فيهم!

وهنا لا نتحدث عن التوبة الصادقة، ولا عن الإنسان الذي يراجع نفسه ويصلح أخطاءه ويبدأ حياة جديدة؛ فذلك أمر محمود، ولا يحق لأحد أن يعيّر إنسانًا بماضٍ تاب منه.

إنما الحديث عن ظاهرة مختلفة: أن يتغيّر مظهر الإنسان وخطابه، بينما تستمر فيه روح الخصومة والاستعلاء، ولكن تحت لافتة دينية جديدة!

🔹 من مشاكسة الناس إلى محاكمتهم باسم الدين!

قد يعرف المجتمع شخصًا كثير المشكلات، حادّ الطباع، لا يحسن التعامل مع مخالفيه، ولا يكاد يمرّ موقف معه دون نزاع أو خصومة.

ثم يتغير خطابه فجأة، فيتبنّى مظهرًا دينيًا متشددًا، ويبدأ في الحديث عن العقيدة والسنة والمنهج، ويكثر من التحذير من المخالفين، وتتسع دائرة أحكامه على الناس.

لكن المثير للتأمل أن بعض طباعه القديمة لا تختفي؛ فما كان يظهر سابقًا في صورة مشاكسة اجتماعية، قد يظهر لاحقًا في صورة خصومة دينية، وما كان يُمارَس من صدام مع الناس قد يتحول إلى صدام معهم باسم الدفاع عن العقيدة والمنهج!

وكأن المشكلة لم تكن في أصل الميل إلى الخصومة، بل في اللغة التي تُمارَس بها هذه الخصومة، والغطاء الذي تُمنح إياه.

فبدلًا من أن يتعلم المرء كيف يختلف مع الناس بأدب، وكيف يضبط انفعالاته، وكيف يراجع نفسه، قد يجد في بعض الخطابات المتشددة وسيلةً جديدة لمواصلة الصدام، ولكن هذه المرة بلغة دينية تمنحه شعورًا بأنه صاحب الحق، وأن خصومه ليسوا مجرد مخالفين له، بل مخالفون للحق نفسه!

🔹 هل يصبح التدين أحيانًا وسيلةً للتعويض النفسي؟

من التفسيرات الممكنة لهذه الظاهرة أن بعض الأشخاص قد يجدون في الانتماء الديني الصارم هويةً جديدة تمنحهم المكانة والقبول والشعور بالتفوق، ولا سيما إذا كانوا قد عانوا سابقًا من الرفض الاجتماعي أو من صورة سلبية لدى المحيطين بهم.

وقد يتحول هذا الانتماء، عند بعض الحالات، من فرصة لإصلاح النفس إلى وسيلة للتعويض عنها؛ فيحاول الإنسان أن يعيد بناء صورته أمام الناس، لا من خلال التواضع وحسن المعاملة، بل من خلال إظهار أنه أكثر التزامًا، وأشد تمسكًا، وأعرف بالحق من سائر الناس.

ومع الوقت، قد يصبح التشدد وسيلةً لإثبات الذات، ويغدو تصنيف الآخرين مصدرًا للشعور بالأهمية، بينما يُنظر إلى التسامح والرفق وسعة الصدر على أنها ضعف أو تهاون.

ولا يعني هذا أن كل متشدد تحركه عقدة نفسية، أو أن كل من بدأ التدين بعد ماضٍ مضطرب يفعل ذلك طلبًا للمكانة؛ فالدوافع تختلف، ولا يجوز الجزم بما في النفوس. لكن هذا التفسير يستحق النظر حين تتكرر أمامنا حالات يجتمع فيها الاستعلاء وسوء التعامل وكثرة الخصومات، مع ادعاء احتكار الفهم الصحيح للدين.

🔹 حين تتحول الشعارات الدينية إلى غطاء للخصومة

تظهر المشكلة بوضوح أكبر حين يقترن هذا النمط من التدين بخطاب يكثر فيه التجريح والتبديع والتحذير والتصنيف، ويُعامل فيه المخالف وكأنه خصم يجب إسقاطه، لا إنسان يمكن مناقشته أو نصحه أو الاختلاف معه بالعلم والعدل.

وفي بعض الخطابات المرتبطة بالتيار السلفي المدخلي، يمكن ملاحظة هذا الخلل حين يتحول الاهتمام بالمنهج إلى انشغال مفرط بتصنيف الأشخاص، وحين تتقدم الخصومات والتحذيرات على الحوار العلمي، وحين يُضيَّق مجال الاختلاف في مسائل الاجتهاد والمواقف الدعوية، وكأن السلامة لا تتحقق إلا بموافقة أشخاص بعينهم ومواقفهم.

ولا يعني ذلك أن كل من ينتسب إلى هذا التيار يتصف بهذه الممارسات، ولا أن نقد الأخطاء أو التحذير من الانحراف أمر مذموم في ذاته؛ فالنقد العلمي له موضعه، والإنكار قد يكون واجبًا في بعض الأحوال.

لكن الفارق كبير بين عالم يناقش الأقوال بالحجة والبرهان، ويتثبت قبل الحكم، ويراعي العدل في الخصومة، وبين شخص يجعل من الانتساب إلى منهج معين سلطةً مفتوحة لمحاكمة الناس والطعن فيهم.

فحين يصبح تصنيف المخالف أسهل من فهم كلامه، والطعن فيه أسرع من مناقشة حجته، والبحث عن أخطائه أهم من مراجعة أخطاء النفس، فنحن أمام خلل يستحق النقد، مهما كانت الشعارات المرفوعة!

🔹 التوبة الحقيقية تُصلح الأخلاق، لا المظاهر وحدها

ليس المطلوب من الإنسان الذي أخطأ في ماضيه أن يبقى أسيرًا لذلك الماضي، ولا أن يُحرم من فرصة التوبة والإصلاح؛ بل المطلوب أن تكون توبته بدايةً لتحول حقيقي في سلوكه وأخلاقه وعلاقاته بالناس.

فإذا كان قد أساء إليهم، تعلّم كيف يحسن معاملتهم. وإذا كان كثير الخصومة، تعلّم كيف يختلف دون عدوان. وإذا كان متكبرًا، حمله تدينه على التواضع. وإذا كان متسرعًا في الحكم، دفعه العلم إلى التثبت والإنصاف.

أما أن يستبدل الإنسان مظهرًا بآخر، وخطابًا بخطاب، مع بقاء روح الاستعلاء والعداء، فذلك لا يكفي لإثبات أن التغيير قد بلغ جوهر النفس.

ليس العيب أن يغيّر الإنسان طريقه، بل أن يغيّر اللافتة التي يرفعها، ويحتفظ بالسلوك الذي كان ينبغي أن يتخلّص منه!

🔹 المشكلة ليست في التديّن، بل في توظيفه

من الظلم أن نضع جميع المتدينين في سلة واحدة، أو أن نتهم كل من انتسب إلى السلفية بسوء النية أو فساد الدافع. ففي الناس مخلصون صادقون، وفيهم من يطلب العلم ويجتهد في اتباع ما يراه حقًا، وفيهم من تكون توبته سببًا في تحسن أخلاقه وإصلاح علاقاته.

لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن ننقد كل خطاب يجعل التدين وسيلةً للاستعلاء، أو يحوّل الخلاف إلى خصومة دائمة، أو يمنح صاحبه شعورًا بأنه فوق النقد والمراجعة.

فلا أحد يصبح معصومًا لمجرد أنه أطلق لحيته، أو تبنّى خطابًا دينيًا صارمًا، أو انتسب إلى جماعة ترفع شعار اتباع السلف.

ولا يكفي أن يتحدث الإنسان عن السنة حتى يكون سلوكه موافقًا لأخلاقها، كما لا يكفي أن يرفع شعار الحق حتى يصبح كل مخالف له مبطلًا أو منحرفًا.

إنما يُعرف صدق أثر التدين بما يتركه في الإنسان من عدل وتواضع ورحمة، وبقدرته على ضبط لسانه، والإنصاف مع خصومه، والاعتراف بخطئه، واحترام ما يسوغ فيه الاجتهاد.

✍️ الخلاصة: لا تجعلوا التدين غطاءً للطباع التي كان ينبغي إصلاحها!

إن الملاحظة الجديرة بالتأمل ليست أن بعض الناس يتوبون بعد ماضٍ مضطرب؛ فهذه من أبواب الخير التي ينبغي الترحيب بها، وإنما أن بعضهم قد ينتقل من الخصومة الاجتماعية إلى الخصومة الدينية، ومن المشاكسة مع الناس إلى محاكمتهم باسم المنهج، دون أن يتخلص من روح الاستعلاء التي كانت تفسد علاقاته بهم.

وقد يجد بعض هؤلاء في الخطابات المتشددة ما يبرر لهم هذا السلوك، ويمنحهم شعورًا بالتفوق، ويجعلهم يرون خصوماتهم الشخصية وكأنها معارك مقدسة دفاعًا عن الدين.

وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الصريح:

هل غيّر هذا التدين أخلاق صاحبه فعلًا، أم أنه منحه لغةً جديدة لممارسة الطباع القديمة؟

إن التوبة الحقيقية لا تعني أن يتحول المخطئ إلى قاضٍ على الناس، ولا أن يصبح من كان كثير الخصومات أكثر الناس توزيعًا لأحكام الضلال والتبديع، ولا أن يتوهم الإنسان أن إصلاح نفسه يكتمل بإدانة الآخرين.

فمن أراد اتباع السلف حقًا، فليتعلم من علمهم وعدلهم وتواضعهم، وليحذر من أن يجعل الانتساب إليهم وسيلةً للتعالي على عباد الله.

فليس كل من تغيّر مظهره تغيّرت سريرته، وليس كل من اشتدّ خطابه قويّ علمه، وليس كل من أكثر من تصنيف الناس أصلحهم حالًا.

والميزان في النهاية ليس مقدار ما يعلنه الإنسان من التزام، ولا عدد من يخالفهم ويحذر منهم، بل حقيقة علمه، واستقامة سلوكه، وعدله مع الناس، وقدرته على تطبيق ما يدعو إليه على نفسه قبل أن يطالب به غيره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق