#الشبهة: كيف يهم النبي بالانتحار والانتحار محرم شرعا ؟
مناط الشبهة هو جزء من حديث طويل في صحيح البخاري والشاهد منه ((وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك، حتى إذا استطانت أيام فترته غدا لحراء لكي يتردى منه، فلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك، فقال له جبريل: يا محمد إنك رسول الله حقا. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقر عينه وسكن، فلما انصرف نزل عليه الملك، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة)).
كثير من الذين ردوا على الشبهة ضعفوا هذه الزيادة من الأساس وقالوا إنها من بلاغات الزهري حيث يقول (فيما بلغنا) أي أنه لم يذكر السند المتصل إلى هذه الحادثة ومنه يكون السند منقطعا ولا حجة بالرواية من أصلها وذكر البخاري لها لا يلزمه لأنه اشترط في كتابه صحة المسند من الأحاديث وهذه ليست مسندة.
1 _ الرد على الشبهة بالاقتصار على تكذيب الرواية فيه تسليمٌ من الراد بمقدمة مغلوطة وهي ((وجود إشكالية في الرواية إن صحت)) بينما هذا لا أسلم به وما تميل نفسي إليه أن هذه الحادثة جرت فعلا ولذلك ذكرها البخاري في صحيحه بعد أن ذكر سندها الكامل إلى عائشة في بداية الرواية ولم يستهجن أو يستقبح هذه الزيادة حتى ولو كانت إدراجا.
2 _ لفظ (فيما بلغنا) قد يعود على الزهري وقد يعود على عائشة رضي الله عنها كأن تسمع الرواية كلها من النبي صلى الله عليه وسلم إلا القسم الخاص بالهم بالانتحار فتسمعه نقلا عن غيره
3 _ ليس كل ما ضعف سنده فإنه لم يقع وإنما قد يكون البلاغ ثابتا واقعيا (وإنما يُضعفه المحدثون للاحتياط وإلا فليس كل ما بلغ الراوي يكون كذبا ومن الكذابين فقد يكون بلاغا من الصادقين) ولو كان البلاغ من عائشة فقد تسمعه من صحابة آخرين (مثل أبيها مثلا).
1 _ هذه الرواية تحكي ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم من تفاعلٍ نفسي بعد أن انقطع عنه الوحي في أول الطريق أي لم يوح إليه إلا المرة الأولى (حادثة إقرأ) والتي عاد منها مذعورا يقول (زملوني زملوني) ثم أخبره ورقة بن نوفل بأنه سيوحى إليه وأن قومه سيخرجونه وبينما ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه الوحي مجددا ليفهم ما يجري حيث لم يُخبر في الوحي الأول بأنه نبي أصلا وكل ما نزل عليه قوله تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)) فليس في هذا النص ما يدل على نبوته بعد ولا ما يشرح له ما يجري.
2 _ لو أن رجلا صادف أن رأى جنّيّا بأم عينه يحدثه ويكلمه فجأة ونحن نعلم أن الجن أضعف وأقل عجبا بكثير من الملائكة فضلا على أن يلتقي بأقوى الملائكة والمخلوقات في الوجود جبريل عليه السلام ذو الهالة الروحية المرعبة ثاني أقوى كائن في الوجود بعد الله عز وجل فإن لقاء كائن عجيب كهذا يسبب لأي شخص صدمة نفسية لولا القوة التي أودعها الله في النبي صلى الله عليه وسلم لتؤهله لتحمل هذا الموقف لفقد عقله أو لمات مباشرة من هول الصدمة، لذلك فإن ردّة فعل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الطيب الخلوق الصادق تجاه موقف كهذا لهي عندي من أكثر ما ألتمسه من صدقه صلوات ربي وسلامه عليه فتأملوا هذا المقطع الذي أذكره كما هو من صحيح البخاري في سياق الرواية قبل انقطاع الوحي: ((فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسى المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)).
حاول ألا تقرأ الرواية كأنها حروف متلاصقة بلا معنى، بل حاول تخيل الأمر على الأقل كأنك تراه في فيلم أمامك إن لم تستطع أن تراه كشاهد عيان ثم حاول الشعور بما يشعر به النبي صلى الله عليه وسلم لتفهمه.
بعد كل هذا الرعب والحيرة تحيّر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفهم ما يجري معه فلما انقطع عنه الوحي (ولعل حكمة الله في انقطاع الوحي كي يعطيه فرصة يستجمع فيها قواه ويهدأ روعه ويستعيد نفسيته أو لأنه غير متدرب بعد روحانيا على استقبال روح عظيمة بقوة روح جبريل عليه السلام ومن البشر من لا يتحمل حتى استقبال أرواح قوية من عالم الجن فكيف بأقوى الملائكة ؟ إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل ما أصابه أراد أن يتردى من الجبل فيموت (وهو رد فعل طبيعي لشخص في غاية الصدق والطيبة، لا تحوله الصدمة إلى مجرم شرس يفترس غيره ولا إلى شخص يواصل اختراع القصص من عنده ليتم المشهد وإنما يتحرّك وفق ما يرى ويسمع فحسب فلما انقطع عنه الأمر أحس بتلك الرغبة التي قد يحس بها أي رجل صادف حدثا خارقا كبيرا جدا فوق ما تتحمله العادة ثم انقطع عنه دون أن يفهم منه شيئا) فلما حاول ذلك ظهر له جبريل وأخبره لأول مرة بأنه نبي.
1 _ في تلك المرحلة لم يكن بعد قد نزل حكم تحريم الانتحار بل لم يُخبر النبي بأنه نبيٌّ أصلا لذلك فلا تناقض بين الرغبة في الانتحار وبين تحريم الانتحار تماما كما لا يمكن القول (كيف لم يصم النبي صلى الله عليه وسلم رمضان قبل أن ينزل تشريع صيام رمضان).
2 _ قال الله عز وجل في يوسف عليه السلام ((ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه)) فلولا أن رأى يوسف عليه السلام لهمّ بها رغم أن الحكم كان مشرعا عنده (وليس قبل تشريعه) فمن باب أولى أن يهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما لم يُشرع بعد ولم يفعله لأنه رأى هو الآخر برهان ربه (جبريل عليه السلام لما ظهر له وقال إنك نبي).
3 _ الانتحار ليس فعلا يعيب خلق صاحبه وإنما هو فعل محرم لأن الله حرّمه وإلا فمن غير دينٍ ليس هناك أي دليل أخلاقي يعيب الانتحار بخلاف القتل والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل.
4 _ غالبية المعترضين على هذه الرواية هم الشيعة رغم أنهم يزعمون في معتقداتهم أن أئمتهم ماتوا مسمومين ومغدورين رغم علمهم بالغيب فمعنى ذلك أن الإمام المعصوم عند الشيعة يعلم أن السم دس له في الطعام ثم يأكله (أليس هذا انتحارا من بعدما فُصّل له الحكم ؟) فهو أشبه بأن تمشي في الطريق وتكتشف وجود لغمٍ أمامك وضعه العدو وأنت تعلم مكان اللغم تذهب إليه لتدوسه بكامل إرادتك (أليس هذا انتحارا ؟)
كتبه #صهيب_بوزيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق