الاثنين، 12 أكتوبر 2026

هل التوسل بالعمل الصالح يختلف عن التوسل بالنبي ﷺ؟

 

التوسل بالنبي ﷺ والصالحين… أين ينتهي الخلاف الفقهي وأين يبدأ الخلاف العقدي؟

تحرير المسألة بالأدلة وأقوال العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من المسائل التي طال حولها الجدل بين المسلمين مسألة التوسل بالنبي ﷺ والصالحين، حتى أصبح بعض الناس يخلطون بين صور مختلفة من التوسل، ويجعلونها كلها في حكم واحد، دون تفريق بين الدعاء لله، والتوسل إليه، وطلب الدعاء من الصالحين، والاستغاثة بالمخلوق.

والإنصاف العلمي يقتضي أن نبدأ بتحرير محل النزاع، ثم ننظر في الأدلة وأقوال العلماء، بعيدًا عن التسرع في التبديع أو اتهام النيات، وبعيدًا كذلك عن إطلاق أحكام لا تسندها الأدلة.

فما التوسل؟ وما صوره؟ وهل كل توسل بغير الله يُعد عبادةً لذلك الغير؟ وما الذي تثبته الأحاديث والآثار الواردة في هذه المسألة؟

أولًا: التوسل لا يعني بالضرورة دعاء غير الله

التوسل في أصل اللغة هو اتخاذ وسيلة يُتقرب بها إلى المقصود.

وقد ذكر أهل اللغة هذا المعنى في كتبهم، ومن ذلك ما أورده ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر، والراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35].

وقال سبحانه:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57].

وقد فسر كثير من السلف الوسيلة بالقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح.

ومن هنا، فإن أصل التوسل مشروع، لكن الخلاف ليس في أصل التوسل، وإنما في بعض الوسائل التي يُتوسل بها، ومدى مشروعية كل صورة منها.

فالتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وبالإيمان به، وبالأعمال الصالحة، مشروع. أما التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، أو بالصالحين، ففي بعض صوره خلاف معروف بين أهل العلم، ولا يصح محو هذا الخلاف أو اختزاله في عبارة واحدة.

ثانيًا: هل التوسل بالعمل الصالح يختلف عن التوسل بالنبي ﷺ؟

قد يقول قائل: إذا كان العمل الصالح مخلوقًا، وكان الإنسان نفسه مخلوقًا، فلماذا يُجيز بعض العلماء التوسل بالعمل الصالح، بينما يمنعون التوسل بذات النبي ﷺ أو بجاهه؟

والجواب أن المسألة ليست مجرد مقارنة بين مخلوق ومخلوق؛ بل تتعلق بدليل مشروعية الوسيلة، وطبيعة التوسل، وكيفية الاستدلال عليه.

فالتوسل بالعمل الصالح ثابت في حديث أصحاب الغار، حين انطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح أخلص فيه لله، فانفرجت الصخرة عنهم.

وهذا دليل واضح على مشروعية التوسل إلى الله بالعمل الصالح.

أما التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، فقد أجازه بعض العلماء ومنعه آخرون، واختلفوا في تفسير بعض النصوص الواردة فيه.

لذلك، لا يكفي أن نقول: هذا مخلوق وذاك مخلوق، ثم نجعل الحكم واحدًا؛ كما لا يصح أن نمنع صورة من التوسل لمجرد أن وسيلتها مخلوقة، دون بيان الدليل الشرعي الذي يقتضي المنع.

فالعبادات والوسائل التعبدية تُبحث بالأدلة، لا بمجرد المقارنات الذهنية.

ثالثًا: ماذا نفهم من توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما؟

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال:

«اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا».

قال: «فَيُسْقَوْنَ».

رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 1010.

يستدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المراد بالتوسل بالنبي ﷺ في حياته هو طلب دعائه، وأن عمر رضي الله عنه انتقل بعد وفاته إلى طلب الدعاء من العباس رضي الله عنه.

ويستدل علماء آخرون بألفاظ الحديث ضمن مناقشتهم لمسألة التوسل بالصالحين ومكانتهم عند الله.

لكن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن مجرد قول عمر: «نتوسل بنبينا» لا يحسم وحده كل تفاصيل الخلاف؛ لأن تحديد المراد بالتوسل هنا هو نفسه موضع الاستدلال والنقاش.

فلا يصح أن نجعل الحديث دليلًا قاطعًا على كل صورة من صور التوسل، كما لا يصح أن نتجاهله أو ننكر صحته بسبب الخلاف في دلالته.

والموقف العلمي الصحيح هو التمييز بين صحة الحديث، ومعنى ألفاظه، والنتيجة الفقهية التي يستنبطها العلماء منه.

رابعًا: حديث الأعمى من أهم أدلة المجيزين للتوسل

ورد في حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلًا ضرير البصر جاء إلى النبي ﷺ، وطلب منه أن يدعو الله له، فعلّمه النبي ﷺ دعاءً جاء فيه:

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ...».

وجاء في الدعاء:

«يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ...».

رواه الترمذي وغيره، وصححه عدد من أهل العلم.

وقد استدل المجيزون للتوسل بالنبي ﷺ بهذا الحديث، وقالوا إن فيه دلالة على جواز التوسل به إلى الله.

بينما حمله آخرون على التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته؛ لأن الرجل جاء إليه وطلب منه أن يدعو له.

إذن، فالخلاف ليس في مجرد وجود الحديث، وإنما في دلالته، ومدى إمكان الاستدلال به على صور التوسل الأخرى، ومنها التوسل بعد وفاة النبي ﷺ.

ومن الخطأ أن يُعرض أحد التفسيرين وكأنه لا يوجد غيره، أو أن يُنسب إلى جميع العلماء اتفاق لم يقع بينهم.

خامسًا: هل التوسل بالجاه أو المحبة هو دعاء لغير الله؟

من المهم هنا التفريق بين أمرين:

الأول: أن يدعو المسلم الله تعالى، ويسأله حاجته، متوسلًا إليه بمحبة النبي ﷺ أو بوسيلة يعتقد مشروعيتها.

الثاني: أن يصرف عبادة الدعاء إلى غير الله، معتقدًا أن ذلك الغير يملك من دون الله ما لا يملكه إلا الله.

فهذان الأمران ليسا شيئًا واحدًا من حيث المعنى والقصد.

والدعاء عبادة عظيمة، قال الله تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].

وقال سبحانه:

﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

ولا خلاف في أن الدعاء التعبدي لله وحده، وأن الله سبحانه هو المجيب، والنافع، والضار، والمالك لكل شيء.

لكن يبقى السؤال: هل كل صيغة يُذكر فيها النبي ﷺ أو أحد الصالحين تعني بالضرورة صرف العبادة إليه؟ أم أن الحكم يتوقف على حقيقة القول، ومعناه، وقصد قائله؟

هذا هو موضع البحث الذي ينبغي ألا يُختزل في مجرد الألفاظ.

وفي المقابل، لا يكفي أن يقول الإنسان إنه يعتقد أن الله هو الفاعل وحده حتى تصبح كل صيغة أو ممارسة مشروعة؛ بل لا بد من النظر في حكمها وأدلتها.

فلا يصح التسوية بين جميع صور التوسل، ولا يصح كذلك جعل كل خلاف في التوسل خلافًا في أصل توحيد الله.

سادسًا: ماذا قال ابن تيمية في التوسل بالنبي ﷺ؟

من المهم الرجوع إلى كلام العلماء في مصادره الأصلية، بدل الاكتفاء بالنقول المقتطعة.

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التوسل بالنبي ﷺ، فقال:

«أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين».

ثم ذكر توسل الصحابة بالعباس رضي الله عنه بعد وفاة النبي ﷺ، وتناول الخلاف في قول القائل: «اللهم إني أتوسل إليك به».

المصدر: مجموع الفتاوى، ج 1، ص 140-141، بحسب الترقيم الوارد في النسخة الإلكترونية.

وهذا النص يوضح أن ابن تيمية يفرق بين صور التوسل، ويثبت مشروعية صور منها، بينما يناقش صورًا أخرى على نحو مختلف.

ولذلك لا يصح أن ننسب إليه إباحة كل صورة من صور التوسل، كما لا يصح أن نزعم أنه يمنع كل ما يسمى توسلًا.

فالاحتجاج بكلام العلماء يقتضي نقل النص كاملًا في موضع الحاجة، وفهمه في سياقه، لا اقتطاع جزء منه وإغفال ما يليه.

سابعًا: هل اتفق العلماء على جواز التوسل بالصالحين؟

لا يصح إطلاق القول بأن الأمة اتفقت على جواز جميع صور التوسل، كما لا يصح الادعاء بأن جميع العلماء اتفقوا على منعها.

فالتوسل بالإيمان بالنبي ﷺ ومحبته وطاعته، وبالأعمال الصالحة، وبأسماء الله وصفاته، له أدلته المعروفة.

أما التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه، فقد وقع فيه خلاف بين العلماء، وكذلك وقع الخلاف في بعض الصور المتعلقة بطلب الدعاء والشفاعة بعد الوفاة.

ومن هنا، فإن الأمانة العلمية تقتضي أن نحدد الصورة التي نتحدث عنها، ثم نذكر أقوال العلماء وأدلتهم فيها.

كما ينبغي التفريق بين الحكم على الفعل، والحكم على الشخص الذي فعله؛ فالحكم على قول بأنه غير مشروع لا يعني تلقائيًا تكفير كل من قال به، أو الحكم على نيته ومعتقده دون معرفة حقيقته.

ثامنًا: التوحيد يجمعنا على أن الله وحده هو المعبود

التوحيد أصل الدين، ومعناه إفراد الله بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

قال الله تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

وقال سبحانه:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2].

فالله وحده هو المستحق للعبادة، وهو الذي تُرفع إليه الحاجات، وتُطلب منه المغفرة والرحمة والرزق والفرج.

ومحبة النبي ﷺ وتعظيمه واتباعه من أصول الإيمان، لكن محبته لا تعني الغلو فيه، كما أن تنزيه الله عن الشريك لا يقتضي اتهام كل مخالف في مسألة خلافية بالشرك.

إنما الواجب أن نزن الأقوال والأفعال بالعلم والدليل، وأن نفرق بين ما ثبتت مشروعيته، وما وقع فيه الخلاف، وما يناقض أصل التوحيد.

الخاتمة: لنناقش الأدلة بدل أن نتبادل الاتهامات

إن مسألة التوسل تحتاج إلى علم، وتحرير للمصطلحات، وفهم للأحاديث، ومعرفة بأقوال العلماء وسياقاتها.

فلا يكفي أن نرفع شعار التوحيد ثم نحكم على كل مخالف بالشرك، ولا يكفي أن نرفع شعار محبة النبي ﷺ ثم نعدّ كل صورة من صور التوسل جائزة بلا دليل.

الحق لا يُعرف بالشعارات، وإنما يُعرف بالدليل الصحيح والفهم المنضبط.

فلنحافظ على توحيد الله، ولنحفظ للنبي ﷺ مقامه، ولنحترم العلماء، ولنناقش الخلاف بأمانة وإنصاف.

فليس من العلم أن نطمس الخلاف حيث وُجد، ولا من الإنصاف أن نحوّل كل خلاف إلى خصومة في الإيمان والتوحيد.

والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق