لسنا بحاجة إلى مزيد من القلق… بل إلى مزيد من العمل!
حين يتحول الاهتمام بقضايا الأمة إلى استنزافٍ يومي، يصبح السؤال الأهم: ماذا نفعل بما نعرفه ونشعر به؟
🔔 حكاية الحارس الذي لم يعد أحدٌ يسمع جرسه
في قرية قديمة على حافة الصحراء، كان هناك برج مرتفع يقف عليه حارس، مهمته أن ينذر أهل القرية إذا اقترب منها خطر.
كان رجلًا مخلصًا، لا يتردد في قرع الجرس كلما رأى غبارًا في الأفق.
في الأسبوع الأول، قرع الجرس ثلاث مرات، فترك الناس أعمالهم، وأغلقوا الأبواب، وانتظروا الخطر. لكنهم اكتشفوا في كل مرة أن الغبار لم يكن إلا قوافل تجارية عابرة.
وفي الأسبوع الثاني، صار يقرع الجرس كلما رأى غبارًا، وفي الثالث لم يعد يتوقف تقريبًا؛ فكل ظلّ عدو، وكل ريح نذير، وكل حركة في الأفق تهديد محتمل.
ومع مرور الوقت، تغيّرت حياة القرية.
لم يعد الفلاحون يطمئنون إلى حرث أرضهم، ولا الصناع يكملون أعمالهم، ولا الأمهات ينمن بسلام. صار الجميع يعيشون في انتظار الخطر، حتى تعطّلت مصالحهم، واستُنزفت قواهم، ولم يعودوا يجدون وقتًا لبناء حياتهم أو إصلاح شؤونهم.
وكان الحارس نفسه أشدّهم إنهاكًا؛ فقد انشغل بمراقبة كل شيء، حتى كاد ينسى الغاية التي من أجلها يقف على البرج.
لقد أراد أن يحمي القرية من الخطر، فإذا بالخوف من الخطر يعطّل حياة القرية!
📱 نحن أيضًا نقف على ذلك البرج!
أليست هذه صورةً قريبة من واقعنا اليوم؟
نفتح هواتفنا، فنجد مئات الأصوات التي تقرع أجراس الإنذار: خبرٌ يحذّر، ومقطعٌ يتوعّد، ومنشورٌ يستنهض الهمم، وآخر يؤكد أن الكارثة على الأبواب، وثالث يدعونا إلى متابعة ما يستجدّ لحظةً بلحظة.
ونحن لسنا غافلين عن قضايا أمتنا، ولا نريد أن نكون كذلك. نحمل آلامها في قلوبنا، ونتألم لما يصيب أهلها، ونحزن للمظلومين والمستضعفين، ونتابع ما يجري من أحداث ومآسٍ.
لكن السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه هو:
ماذا فعلنا بكل هذا الاهتمام؟ وماذا تغيّر في واقع من نتألم لأجلهم بسبب ساعات المتابعة التي نقضيها كل يوم؟
قد نمضي ساعات طويلة في قراءة الأخبار ومشاهدة المقاطع ومناقشة الأحداث، ثم نذهب إلى النوم مثقلين بالحزن والقلق، من غير أن نكون قد اكتسبنا فهمًا أعمق، أو قدّمنا عونًا لمحتاج، أو أنجزنا عملًا نافعًا.
وهنا تكمن المشكلة: أن نخلط بين الشعور بالمسؤولية وممارسة المسؤولية، وبين متابعة المأساة والإسهام في تخفيفها.
فليس كل من تابع الأحداث قد أسهم في تغييرها، وليس كل من اشتدّ غضبه قد نصر مظلومًا، وليس كل من أكثر الحديث عن معاناة الناس قد قدّم لهم نفعًا حقيقيًّا.
فالاهتمام الذي لا يتحول إلى عمل قد يستهلك صاحبه، ويمنحه في الوقت نفسه شعورًا مضلّلًا بأنه أدّى ما عليه، مع أن أثره في الواقع لم يتجاوز شاشة هاتفه.
🎯 كيف يتحول الاهتمام إلى نصرة حقيقية؟
ليس المطلوب أن نتخلّى عن قضايا أمتنا، بل أن ننتقل من مجرد الانفعال بها إلى الإسهام في خدمتها، كلٌّ بحسب قدرته وموقعه.
1. معرفةٌ أعمق، لا متابعةٌ أكثر
ليس كل خبر عاجل معرفة، وليس كل منشور مؤثر حقيقة.
قد نحتاج إلى قراءة متأنية، وفهم جذور الأحداث وسياقاتها، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، والتمييز بين الخبر والتحليل والدعاية.
فالأمة لا تحتاج فقط إلى من يتناقلون الأخبار، بل تحتاج أيضًا إلى من يفهمونها، ويحسنون تقديرها، ويتعاملون معها بوعي وحكمة.
2. مساعدةٌ تصل إلى أصحاب الحاجة
إذا استطعنا تقديم دعم موثوق إلى المتضررين، أو الإسهام في عمل إغاثي، أو مساعدة أسرة محتاجة، أو تسخير خبرتنا لخدمة الناس، فذلك أبلغ أثرًا من الاكتفاء بالحزن عليهم.
وقد تكون النصرة كلمة حق في موضعها، أو دفاعًا عن مظلوم، أو تصحيحًا لمعلومة مضللة، أو مشاركةً في مشروع نافع.
ليس المطلوب أن يفعل كل إنسان كل شيء، وإنما أن يفعل ما يستطيع فعله فعلًا.
3. إتقان العمل الذي بين أيدينا
قد يظن بعضنا أن خدمة الأمة لا تكون إلا في المواقف الكبرى، أو الأعمال التي يراها الناس ويتحدثون عنها.
لكن الأمم لا تنهض بالشعارات وحدها؛ بل تنهض حين يؤدي كل إنسان مسؤوليته بإخلاص وإتقان.
المعلّم الذي يحسن تعليم طلابه، والطبيب الذي يخفف آلام مرضاه، والعامل الذي يتقن صنعته، والكاتب الذي ينشر علمًا نافعًا، والأب الذي يحسن تربية أبنائه؛ كلٌّ منهم يشارك في بناء المجتمع من موقعه.
فليس كل عمل نافع ظاهرًا على الشاشات، وليس كل أثر عظيم مصحوبًا بالضجيج.
4. الدعاء والصلة بالله
الدعاء ليس بديلًا عن العمل، كما أن العمل لا يغني عن افتقار العبد إلى ربه.
إنه باب من أبواب العبادة والنصرة، يجدّد الرجاء، ويعين على الصبر والثبات، ويذكّرنا بأننا نبذل ما نستطيع، ونفوّض ما نعجز عنه إلى الله تعالى.
فنجمع بين الدعاء والعمل، وبين التوكل والأخذ بالأسباب، بدل أن نجعل أحدهما حجةً لترك الآخر.
🧭 لسنا مطالبين بإغلاق الشاشة، بل بحسن استخدامها
ليس الحل أن نتجاهل أخبار الناس، أو نغلق أعيننا عن المظالم، أو نعيش بمعزل عن قضايا أمتنا.
إنما الحل أن نستعيد قدرتنا على الاختيار، فلا نسمح للأخبار أن تستولي على يومنا كله، ولا نجعل كل تنبيه يقطع أعمالنا، ولا نعتقد أن متابعة كل تفصيل واجب علينا.
لنتابع بقدر ما نحتاج إلى الفهم، ونتوقف حين تتحول المتابعة إلى استنزاف لا يضيف معرفةً ولا يفضي إلى عمل.
ولنسأل أنفسنا بعد كل متابعة:
ما الذي أستطيع فعله بما عرفت؟
هل أستطيع أن أقدّم مساعدة؟ أن أصحح معلومة؟ أن أتعلم شيئًا ينفعني وينفع غيري؟ أن أؤدي عملي بإتقان أكبر؟ أن أساهم في حل مشكلة قريبة مني؟
إن وجدنا بابًا للنفع، فلنسلكه. وإن لم نجد، فلا نظن أن المزيد من التمرير بين المنشورات يعني بالضرورة مزيدًا من النصرة.
ويزداد الأمر أهميةً حين ندرك أن الخوف يجذب الانتباه، وأن الأخبار المثيرة للقلق قد تدفعنا إلى الاستمرار في المتابعة والمشاركة، حتى نفقد القدرة على التمييز بين ما نحتاج إلى معرفته وما يستنزف طاقتنا فحسب.
لذلك، علينا أن نحفظ انتباهنا، ونتثبت مما ننشره، وألا نزيد الضجيج ضجيجًا، أو ننقل الخوف إلى الآخرين من غير علم أو فائدة.
فليس كل ما يستحق اهتمامنا يستحق أن يستولي على حياتنا كلها.
🌱 اغرس فسيلتك، ولو اشتدت الأحداث
قال رسول الله ﷺ:
«إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
يحمل هذا التوجيه النبوي معنى عظيمًا: أن الإنسان لا ينبغي أن يستسلم للعجز، ولا أن يترك العمل النافع لمجرد أن الظروف شديدة، أو أن النتائج الكبرى ليست مضمونة.
قد لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نغيّر شيئًا في محيطنا.
قد لا نقدر على رفع كل ظلم، لكننا نستطيع ألا نكون عونًا للظالم، وأن نساعد مظلومًا، أو نخفف ألم محتاج، أو نربي جيلًا أكثر وعيًا، أو نؤدي أمانةً أُسندت إلينا.
إن عجزنا عن فعل كل شيء لا يبرر ترك ما نستطيع فعله.
فلا تجعل ضخامة المأساة تشلّ قدرتك على تقديم عون صغير، ولا تجعل كثرة الأخبار تنسيك مسؤولياتك القريبة، ولا تنتظر أن تصبح قادرًا على إصلاح كل شيء حتى تبدأ في إصلاح شيء واحد.
🤝 من برج الخوف إلى ميدان العمل
في الحكاية، أدرك أهل القرية أخيرًا أن استمرار قرع الجرس لا يكفي لحمايتهم، وأن الخوف المشترك لا يصنع وحده حياةً آمنة.
فنزل الحارس من برجه ذات صباح، وجمع الناس، وقال لهم:
«لن يكفينا أن نخاف جميعًا. لنتقاسم العمل؛ فمنّا من يصلح السور، ومنّا من يخزّن الماء، ومنّا من يعلّم الصغار. وسأبقى على البرج في أوقات محددة، فأقرع الجرس حين يظهر خطر حقيقي».
عندها عاد كل إنسان إلى عمله، ولم يتخلّوا عن الحذر، لكنهم لم يعودوا أسرى له.
صار الجرس وسيلةً للتنبيه، لا مصدرًا دائمًا للهلع؛ وصار الخوف دافعًا إلى الاستعداد، لا سببًا لتعطيل الحياة.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم: أن نبقى مهتمين بقضايا أمتنا، لكن من غير أن نفقد قدرتنا على العمل؛ وأن نشعر بآلام الناس، لكن من غير أن نكتفي باستهلاك الحزن؛ وأن نتابع الأحداث، لكن من غير أن نسمح لها بأن تسلبنا أوقاتنا وطاقتنا ومسؤولياتنا.
✨ الخلاصة
قضايا الأمة لا تحتاج إلى قلوب باردة لا تتألم، ولا إلى عقول غائبة لا تفهم، ولا إلى ألسنة لا تكفّ عن التحذير، بينما الأيدي عاجزة عن تقديم أي نفع.
إنها تحتاج إلى قلوب حيّة، وعقول واعية، وأيدٍ عاملة؛ إلى من يتألمون للمظلوم، ويسعون إلى نصرته، ويفهمون الواقع، ويتثبتون من الأخبار، ويحسنون أداء ما بين أيديهم من مسؤوليات.
فلا نطفئ جذوة الاهتمام في قلوبنا، ولا نسمح للقلق بأن يستنزف قدرتنا على العطاء.
ولنتذكر دائمًا:
ليس المطلوب أن نقلق أكثر، بل أن ننفع أكثر.
وليس المهم كم ساعة قضيناها في متابعة المشكلة، بل ماذا فعلنا بما عرفناه عنها.
فمعرفة المشكلة بداية المسؤولية، وليست نهايتها؛ والتعاطف الصادق لا يكتمل بمجرد الشعور، بل حين يتحول، بقدر الاستطاعة، إلى أثرٍ ينفع الناس.
فلا تكن جرسًا إضافيًّا في برج الخوف… كن يدًا تعمل، وعقلًا يفهم، وقلبًا لا يفقد رحمته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق