علّمنا رسول الله ﷺ التوسل… فكيف يجرؤ بعض المتعالمين على تحريمه واتهام فاعله بالشرك؟!
من أغرب ما نشهده في بعض الخطابات الدينية المعاصرة أن يأتيك شخص فيحرّم التوسل بالنبي ﷺ، ويصف من يفعله بالشرك والضلال، وربما لم يكلّف نفسه عناء قراءة حديث الأعمى الذي علّم فيه رسول الله ﷺ صيغة التوسل، ولا الاطلاع على رواية الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه الذي أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ!
فأي جرأة هذه على إطلاق الأحكام؟!
وكيف تتحول مسألة بحثها العلماء قديمًا، واختلفوا في بعض صورها ودلالاتها، إلى تهمة بالشرك تُلقى على المسلمين بهذه السهولة؟!
إن من أبسط قواعد العلم أن تجمع النصوص قبل إصدار الأحكام، وأن تفهم كلام العلماء قبل أن تتصدر للإنكار عليهم، وألا تجعل رأيك الاجتهادي ميزانًا تحاكم به عقائد الناس وإيمانهم.
ولنعد إلى الحديث الذي يبدو أن بعض المتعجلين في إصدار الأحكام لم يمنحوه ما يستحق من القراءة والتأمل.
أولًا: رسول الله ﷺ هو الذي علّم التوسل!
روى الترمذي وابن ماجه وأحمد، عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني.
فقال له النبي ﷺ:
«إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك».
فقال الرجل: ادعه.
فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ثم يدعو بهذا الدعاء:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ».
رواه الترمذي (3578)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن ماجه (1385)، وأحمد في مسنده.
تأملوا ألفاظ الحديث جيدًا!
لم يقل النبي ﷺ للرجل: لا تتوسل بي، فهذا من الشرك!
ولم يعلّمه أن التوجه إلى الله بنبيه محرم، أو أن مجرد ذكر النبي في دعاء الله اعتداء على التوحيد.
بل علّمه بنفسه أن يقول:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد».
ثم قال:
«يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه».
فالدعاء موجّه إلى الله، والطلب من الله، والرجاء في الله، والتوسل بالنبي ﷺ.
فأين الشرك في هذه الصيغة التي علّمها رسول الله ﷺ؟!
إن كان المقصود بالتوسل أن يسأل العبد ربَّه متوسلًا بنبيه، مع اعتقاده أن الله وحده هو الذي يقضي الحاجات ويجيب الدعوات، فهذه صورة بحثها العلماء وأجازها كثير منهم.
أما أن يُدعى غير الله باعتقاد أنه يتصرف استقلالًا في الكون، فهذه قضية أخرى لا يجوز الخلط بينها وبين التوسل.
فليس كل خلاف في صفة الدعاء خلافًا في أصل التوحيد، وليس كل ما منعه بعض العلماء يصبح شركًا بالله!
ثانيًا: يقولون: هذا كان في حياة النبي ﷺ!
هنا يأتي الاعتراض الذي يكرره المانعون:
يقولون إن الأعمى توسل بالنبي ﷺ في حياته، وكان النبي حاضرًا، وقد طلب منه أن يدعو له، فلا دليل في الحديث على جواز التوسل به بعد وفاته.
ونقول: هذا وجه من وجوه تفسير الحديث، لكنه ليس نهاية البحث!
فهل جمع هؤلاء جميع الروايات المتعلقة بالمسألة؟
وهل اطلعوا على ما فعله الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله ﷺ؟
هنا تظهر رواية مهمة يغفل عنها كثيرون، وربما لم يسمع بها بعض من يتصدرون للحديث في هذه المسألة!
ثالثًا: عثمان بن حنيف يعلّم التوسل بعد وفاة النبي ﷺ!
روى الطبراني في «المعجم الصغير» و«الدعاء»، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة»، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف:
أن رجلًا كان يتردد على عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له، فلم يكن عثمان يلتفت إليه ولا يقضي حاجته.
فشكا الرجل أمره إلى الصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه.
فقال له عثمان بن حنيف:
ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ ركعتين، ثم قل:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي».
ثم أرشده إلى أن يذهب إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأن يذهب معه بعد ذلك.
ففعل الرجل ما أرشده إليه، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فأدخله الحاجب عليه، فقضى حاجته.
فلما خرج الرجل شكر عثمان بن حنيف، وقال له إنه لم يكن يُلتفت إلى حاجته قبل ذلك.
فقال له عثمان بن حنيف ما معناه:
والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير البصر، فشكا إليه ذهاب بصره، فذكر له قصة الأعمى وكيف علّمه النبي ﷺ ذلك الدعاء.
تأملوا هذه الواقعة جيدًا!
هذه الحادثة لم تقع في حياة النبي ﷺ، وإنما وقعت بعد وفاته، في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
والذي أرشد الرجل إلى صيغة التوسل هو الصحابي عثمان بن حنيف، وهو نفسه راوي حديث الأعمى، وقد استند إلى ما شهده من تعليم رسول الله ﷺ.
فلماذا لا يذكر بعض المتصدرين هذه الرواية عندما يناقشون المسألة؟!
ولماذا يكتفون بتكرار عبارة: «كان ذلك في حياة النبي» وكأن الرواية الأخرى غير موجودة؟!
لقد صحح الحاكم هذه الرواية، وقبلها واحتج بها عدد من أهل العلم، بينما ناقش آخرون إسنادها أو دلالتها.
ومن الإنصاف العلمي أن نذكر ذلك كله، لا أن نخفي الرواية لأنها لا توافق رأينا.
فإذا كان حديث الأعمى وحده محل خلاف في دلالته على التوسل بعد الوفاة، فإن رواية عثمان بن حنيف تقدم شاهدًا مهمًّا على فهم أحد الصحابة لهذه المسألة وتطبيقه لها بعد وفاة النبي ﷺ.
وهذا وحده كافٍ لإبطال دعوى أن المسألة محسومة بإجماع لا خلاف فيه!
رابعًا: هل كان رسول الله ﷺ يعلّم الناس الشرك؟!
وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يتوقف عنده كل من يتوسع في اتهام المتوسلين بالشرك:
إذا كان مجرد قول المسلم: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد» شركًا بالله، فكيف علّم رسول الله ﷺ هذه الصيغة للأعمى؟!
هل كان النبي ﷺ يعلّم الناس ما يناقض التوحيد الذي بعثه الله به؟!
حاشاه ﷺ!
إن النبي ﷺ أعلم الناس بالتوحيد، وأحرصهم على حماية جناب العقيدة، فكيف يعلّم رجلًا صيغة دعاء يزعم بعض المتأخرين أنها شرك أكبر؟!
والأمر لا يحتاج إلى تعقيد:
الرجل دعا الله، وسأل الله، وتوجه إلى الله، وجعل النبي ﷺ وسيلة في دعائه.
فلا يجوز أن نخلط بين من يسأل الله متوسلًا بنبيه، وبين من يعتقد أن مخلوقًا يملك من دون الله نفعًا أو ضرًّا أو تصرفًا مستقلًا.
التوحيد لا يُحمى بتحريف معاني النصوص، ولا بتوسيع دائرة الشرك حتى تشمل مسائل اختلف فيها أهل العلم.
خامسًا: ليس كل ما خالف رأيك شركًا!
من المؤسف أن بعض الخطابات الدعوية جعلت من مسائل التوسل ميدانًا لتصنيف المسلمين واتهامهم في عقائدهم.
فبدل أن يناقشوا الروايات، ويحرروا معاني الألفاظ، ويعرضوا أقوال العلماء، يختصرون المسألة في عبارات جاهزة:
هذا مشرك!
وهذا قبوري!
وهذا ضال!
وهذه بدعة!
وكأنهم امتلكوا وحدهم مفاتيح الحكم على عقائد المسلمين، ولم يعد في الأمة علماء ومذاهب ومدارس فقهية لها اجتهاداتها المعتبرة!
والحقيقة أن التوسل ليس صورة واحدة عند العلماء، بل له صور متعددة، ومن أشهر ما وقع فيه الخلاف:
التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، وهو مشروع.
التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وهو ثابت في حديث أصحاب الغار.
طلب الدعاء من النبي ﷺ في حياته، وهو ثابت بلا نزاع معتبر.
التوسل بالنبي ﷺ بذاته أو جاهه أو حقه، وقد أجازه علماء ومنعه آخرون.
التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، وهو من المسائل التي وقع فيها خلاف في الاستدلال والتأويل.
فلماذا يُختزل هذا كله في اتهام الناس بالشرك؟!
ولماذا لا يُقال: هذه مسألة اختلف فيها العلماء، ولكل فريق أدلته وطريقة فهمه للنصوص؟!
أليس هذا أقرب إلى العلم والإنصاف؟!
إن من حق العالم أن يناقش، ويرجّح، ويضعّف، ويمنع ما يراه غير مشروع، لكن ليس من حق كل متصدر أن يحوّل اجتهاده إلى حكم على عقائد المسلمين، وأن يجعل مخالفه مشركًا لمجرد مخالفته له.
سادسًا: المشكلة ليست في الاختلاف، بل في الجهل بآداب الاختلاف!
لسنا هنا بصدد القول إن كل صور التوسل جائزة، أو إن كل عبارة يتلفظ بها الناس صحيحة، أو إن العلماء لم يختلفوا في المسألة.
بل نريد أن نقول شيئًا أبسط وأهم:
لا تجعلوا مسائل الاجتهاد أبوابًا لتكفير المسلمين، ولا تحوّلوا الخلاف في كيفية الدعاء إلى معركة على أصل الإيمان والتوحيد!
ومن أراد منع صورة من صور التوسل فليأتِ بدليله، وليناقش أدلة المخالفين، وليحترم أقوال العلماء الذين أجازوها.
أما إطلاق أحكام الشرك على المسلمين، دون تفصيل في العبارة والاعتقاد والقصد، فليس من التحقيق العلمي ولا من الحكمة الشرعية.
والأعجب أن بعض الذين يتشددون في هذه المسألة لا يكادون يذكرون رواية عثمان بن حنيف بعد وفاة النبي ﷺ، مع أنها من أهم ما ينبغي أن يُناقش عند تحرير محل النزاع.
فهل قرأوا الرواية ثم ناقشوها؟
أم اكتفوا بما لقّنهم إياه بعض المتصدرين؟
وهل من الإنصاف أن نحاكم الناس إلى رأي واحد، ثم نتهمهم في توحيدهم لمجرد أخذهم بقول عالم معتبر؟!
الخلاصة: اقرأوا الحديث كاملًا قبل أن تتهموا الناس بالشرك!
رسول الله ﷺ علّم الأعمى صيغة التوسل، والصحابي عثمان بن حنيف رضي الله عنه نقل هذا التعليم، ثم أرشد إلى العمل بهذه الصيغة بعد وفاة النبي ﷺ.
هذه نصوص وروايات لا يجوز تجاوزها، ولا يصح أن نغلق باب البحث فيها بعبارة واحدة: «كان ذلك في حياته».
نعم، اختلف العلماء في دلالتها، ومن حق كل باحث أن يناقش ويرجّح، لكن ليس من حق أحد أن يحتكر التوحيد، أو يجعل رأيه وحده معيارًا لإيمان المسلمين.
فإذا كان النبي ﷺ قد علّمنا كيف نتوجه إلى الله في الدعاء، فمن العجيب أن يأتي بعض المتعالمين فيجعلوا من هذا التوسل تهمة بالشرك، بدل أن يناقشوا النصوص بعلم وإنصاف!
لا تُضيّقوا واسعًا، ولا تُبدّعوا فيما اختلف فيه العلماء، ولا تجعلوا التوحيد سلاحًا لتفريق المسلمين.
التوحيد يحتاج إلى علم وبصيرة، لا إلى غلوٍّ واتهام، والدين يحتاج إلى فقه وحكمة، لا إلى جرأة على أحكام الله وعباده.
فليقرأوا حديث الأعمى، وليتأملوا رواية عثمان بن حنيف، وليتعلموا أن العلم ليس في كثرة إطلاق الأحكام، وإنما في حسن فهم النصوص، ومعرفة مواضع الخلاف، والعدل مع المخالف.
فالحق لا يُعرف بالصراخ، ولا يُثبت بالتشنيع، وإنما يُعرف بالدليل والبرهان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق